الصفحة الرئيسية اخبار يومية الرأي ثقافة وفن كاريكاتير دفتر الزائرين للاتصال بنا ارسلوا مساهماتكم

17.08.2005

السنة الثالثة
العدد 131

صفحات الصحيفة

1 - اولـــى
2 - اخبار
3 - اخبار
4 - سياسة
5 - سياسة
6 - رأي
7 -رأي
8 - تحقيقات
9 - تحقيقات
10- ثقافة
11- ثقافة
12- مال واعمال
13- علوم
14- مقالات عامة
15- تقارير عامة
16- مرايا
17- واحة الاهالي
18- مفتوحة
19- رياضة
20- أخيرة



الأرشيف:
 
قصة موت جندي
كيف تعيد الولايات المتحدة قتلاها والمصابين من العراق الى بيوتهم
مجلة "أسبوع العالم" السويسرية
ترجمة: جواد الساعدي

تمهيد
محرر الشؤون الأجنبية أورس غيرغر Urs Gehriger والمصور الفوتوغرافي
هلموت فاختر Helmut Wachter ذهبا إلى العراق والى الولايات المتحدة بحثاً عن قصص بعض الجنود الأمريكيين، فخرجا بقصة إثنين من الأصدقاء هما جنديا المارينز Stacy Alexander و Julio Gisneros Alvarez .
خطوة خطوة رافقا الجنديين خلال رحلتهما الطويلة وهما عائدين من الجبهة إلى الوطن. وأثناء قيامهما بهذا التحقيق أصبح مندوبا مجلة أسبوع العالم السويسرية ذاتهما موضوعاً للإعلام الأميركي. زملاؤهما الصحفيون في تكساس بدوا مستغربين ومتأثرين لأن "أحداً ما يكلف نفسه عناء السفر ليتحدث عن جنود أمريكا ومصائرهم"
"إهتمامكم يستحق الملاحظة" قال أحد المراسلين المحليين لمصور المجلة وأضاف: "نحن لا يجوز لنا حتى النظر عندما تُنزّل النعوش من الطائرة". مجلة المونيتور بدأت تقريرها عن المراسلين بالتالي:
"قصة العريف جوليو الفاريز شقت طريقاً طويلاً حتى وصلت إلى سويسرا".


الحــــــــلقة الأولى
العائدون

بعيداً عن أنظار الرأي العام العالمي تهبط كل ليلة على مدارج القاعدة الأميركية في بلد –شمال بغداد- طائرة مهمتها نقل الضحايا الأميركيين وإخراجهم من العراق. إثنان من هؤلاء كانا المارينز ستازي الكسندر (20 عاما) وجوليو الفاريز (22 عاماً). هنا قصتهما.
ستازي وجوليو كانا صديقين حميمين، يأكلان سويةً، ينامان جنباً إلى جنب ولا يذهب أحدهما في الدورية دون الآخر. ستازي دائماً خلف المقود وجوليو خلف الرشاش. خمسة أشهر جالا خلالها شوارع الحصيبة وتصيدا فيها "المجاهدين" إلى أن جاء السادس من كانون الثاني 2005.
كانت الساعة الثالثة صباحاً عندما إنقشع من فوق رأسيهما الضباب وقال جوليو تلك الجملة التي لن ينساها ستازي: "انظر، لقد بان القمر، وذلك يمكن أن يكون سوء طالع" تلك كانت كلماته الأخيرة. بعدها بدقائق مات جوليو، مات في بلاد بالكاد يعرفها ومن أجل بلادٍ إحتاجت إلى خدماته، لكنها لم تعطه في حياته حقوق المواطنة.
في هذه اللحظة، وفي الجهة الثانية من كوكب الأرض، في أقصى جنوب الولايات المتحدة، كان الناس يعودون من العمل إلى بيوتهم بينما كانت سينوبيا Senobia والدة جوليو تفتح باب حانتها الواقعة في مدينة فير بولاية تكساس. سينوبيا التي قدمت إلى تكساس قبل خمسة عشر عاماً كانت غادرت مسقط رأسها ريوغراندا في المكسيك التي لم تستطع ان تقدم لها سوى الفقر. وبدأت من الصفر، سكنت في كوخ خشبي وتجرّدت عن كبريائها وشموخها فعملت نادلةً في إحدى الحانات. كل دولار كسبته سينوبيا كانت توفره لمستقبل أطفالها. وحدها كانت المسؤولة عن تنشئتهم. جوليو كان الأكبر بينهم. في آب أقلته الطائرة إلى العراق وقبل ثلاثة أيام كانت آخر مكالمة هاتفية بينها وبينه.
ضيوف الحانة يسألون: "كيف جوليو؟" فترد: "شهران فقط ثم يعود إلى هنا. لقد وعد شقيقه ماركوس (21 عاماً) بأن يذهبا عند عودته معاً إلى شاطىء البحر".

الإعتداء
مراوح الأباتشي تطحن الهواء في العتمة، الجنود يحملون ستازي على محفّة ويلقون به إلى داخل الطائرة. بعد قليل يبدأ ستازي التنقيب في الذاكرة وترتيب بعض القصاصات التي كان يحملها.
كانوا خمسة على الطريق في عربة الدورية. بعد الساعة الثالثة بقليل حطت على السطح قنبلة يدوية وإنفجرت، فاحترق على الفور جهاز اللاسلكي والرشاش ثم بدأت الذخائر تنفجر تباعاً حتى تطاير كل ما بداخل العربة إلى الخارج. لقد أصبحت العربة شعلة من نار. على السطوح كان المجاهدون يهتفون: "الله أكبر".
ستازي سأل قائده ساوير Sawer: "هل أنت بخير؟" أجاب: "نعم، وأنت؟" رد ستازي: لا الشظايا تملأ جسدي ولا أعتقد أنني سأستطيع النجاة" صرخ القائد: "اغلق فمك"
في هذه الأثناء بدأت طائرة الأباتشي ترتفع في الظلام الحالك. ستازي تناول مخدراً لتخفيف الألم. الشظايا تتحرك تحت جلده، وفي الرمال بدأت الحصيبة تحته تغيب عن الأنظار رويداً رويداً. اختفى معسكر المارينز والمجاهدون الفرحون والسيارة المشتعلة. في مكان ما من المعسكر يستلقي جوليو.

العودة
في البدء، وعند إندلاع الحرب كان جنود الكتيبة الأولى من اللواء السابع من الأوائل الذين انطلقوا من الكويت. على مدى ما يقارب الشهر كانوا ينطلقون بسرعة عبر العواصف الرملية والأمطار وحلقات الدفاع العراقية في طريقهم إلى بغداد حيث احتلوا وزارة النفط العراقية، بعد ذلك إنسحبوا جنوباً إلى النجف، و بدأوا بمساعدة بعض النشطاء العراقيين في بناء المدارس وتعبيد الطرق بالإضافة إلى تدريب عناصر الشرطة العراقية، وعندما عادوا إلى الولايات المتحدة بعد تسعة أشهر لم تكن الكتيبة قد فقدت أياً من رجالها بنيران "معادية".
في شهر آب من العام الماضي عادت الكتيبة الى العراق من جديد، ولكن هذه المرّة الى الحصيبة الواقعة على الحدود مع سورية، والتي تشكل إحدى معاقل وأوكار المهربين وتجار السلاح والإرهابيين الذين ينقلون عبر سوريا حربهم المقدسة إلى العراق.
هذه المرّة لم يقابلهم أحد بابتسامة ودية، ولم تمتد لهم يد المساعدة، ولم يجدوا من تلاميذ المدارس من يلعب معهم كرة القدم كما في المرة الماضية.
عندما وصل جوليو وستازي مع جنود المارينز الى الحصيبة وجدوا أمامهم على كل حائط تقريباً شعارات كتبت بخط إنجليزي ردىء تنذرهم بالموت البطىء. في الأيام الأولى فقدت الوحدة ثلاثة من رجالها. ومع كل هجوم وكل قتيل يسقط كان الجنود يزدادون شعوراً بالألم. شيئاً فشيئاً بدأوا يتغيّرون، الأطفال الذين يرشقونهم بالحجارة والنساء اللواتي لا يكترثن بزملائهم الجرحى وهم ينزفون ويصرخون على الطريق، كل ذلك ولّد لديهم مشاعر سيئة لم يكن يعرف بوجود مثلها أصلاً إلاّ القليل منهم.
"أنا من النوع الذي لا يؤمن بالأحكام المسبقة، ولكنني لا أدرك أي اسم أطلقته على هؤلاء الناس" هذا ما يقوله العريف جو رسنر Joe Risner من كولورادو.
ومع كل زميل يقتل يزداد كره الجنود للعراقيين في تلك المدينة: "فليذهبوا إلى الجحيم" هكذا يلعن العريف شاون هاوفي Shawn Haufey من ويسكنسن، ويستكمل: "اعطوهم أكواماً من الأسلحة واتركوهم يذبحون بعضهم، سنأتي فيما بعد لنزيل القاذورات".

الجرّاح
عندما يصحو جريج ابراهاميان Greg Ibrahamian وينظر من الشبّاك يتذكر بأنه كان في شرق برلين. أمام الشباك صفت بإحكام ثلاث كتل اسمنتية، كل واحدة منها بارتفاع ثلاثة أمتار وعرض مترين. وراء هذه الكتل يمكن له ان يتصور غرب برلين حيث حديقة الحيوان وشارع كودام وبحيرة فان Wannsee، لكنه في الواقع لا يوجد سوى حائط آخر من الكتل ثم آخر ثم آخر، وما بين هذه الحيطان هنالك حاويات حديدية، مجهزة لأغراض السكن، شوارع ممهدة، صالات طعام، وأخيراً حظائر الطائرات المتصلة بمهبطين طول الواحد منهما أربعة كيلومترات.
بلد، الواقعة على بعد 70 كم الى الشمال من بغداد، فيها مطار عسكري قديم احتله الاميركيون عقب الغزو وقاموا بتوسيعه ليصبح أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العراق.
23000 الف أمريكي يعيشون في هذه البقعة من الأرض التي يسميها الجنود Mortaritaville.
كمعدل وسطي تتعرض هذه القاعدة كل يوم لهجومين بالقنابل اليدوية، وهذا الامر بالنسبة للجنود غير مريح لأنه لا أحد يستطيع سماع صوت القنابل اليدوية عندما تنطلق، فقط عندما تسقط أو توشك على السقوط.
كلما تسقط قنبلة تنطلق صفارات الإنذار فيرتدي بعض الجنود سترته الواقية من الرصاص، بينما يلجأ البعض الآخر الى الإحتماء بالجدران الإسمنتية. ابراهاميان ألقى بنفسه على كرسي قريب عندما دوت صفارة نهاية الإنذار. هو جرّاح يعمل لدى سلاح الطيران وفي الخدمة الفعلية منذ 13 عاماً. في الصيف سيعود الى الحياة المدنية، يريد أن يسافر من جديد كما كان أيام الدراسة، لكنه الآن وقبل نهاية خدمته بقليل يجد نفسه في الجبهة.
الجرّاح ابراهاميان عاد للتو من غرفة العمليات. كان أجرى عملية جراحية روتينية، نظّف الأحشاء الداخلية لأحد أفراد الشرطة العراقية المصابين: "نحن لا نخيط البطون فوراً، علينا أن ننظفها عدّة مرات من الشظايا وبقايا المواد المتفجرة" ويضيف: "إصابات البطن عند العراقيين هي الغالبة، لأن الغالبية الكثيرة منهم لا تملك سترات واقية، على العكس من الأمريكيين الذين تبقى بطونهم تقريباً على الدوام "نظيفة" مع ان الوضع بالنسبة لأيديهم وأرجلهم سيىء للغاية".

الأميركيون المصابون يتلقون في بلد العلاج الفوري والضروري ثمّ يجري تحضيرهم للطيران الى المستشفى الأميركي في المانيا، ومن لا يمكن علاجه وشفاؤه هناك يرسل الى الولايات المتحدة ليعالج في المستشفى الخاص.
النذر
معظم الراقدين على أسرّة المستشفى العسكري في "بلد" هم من الشباب الذين لم يتجاوزوا العشرين بعد. رغم ذلك فانهم لا يبدون شباباً، بل كطاعنين في السن.
الأطباء يقفون حول ستازي ويتبادلون الرأي. لقد تبيّن أنه مصاب في أكثر من مكان واكثرمما كان يشعر أو يتخيّل، فبالإضافة إلى إصابته في الذراع هناك إصابات في الخصر والساق الأيسر وفي الركبة.
ستازي تقدم في أكتوبر 2003 للإلتحاق بالمارينز. وقتذاك كان بلغ للتو الثامنة عشرة، لكنه لم يجد فرصة عمل جيدة في مدينته كارلين التي كانت يوماً ما مقصداً للباحثين عن الذهب في نيفادا. شاهد الحرب من خلال التلفزيون واعتقد ان المارينز هم قدوته. رجال أقوياء تمّ اختيارهم بعناية وهم الأحسن والأفضل من بين الآخرين. هو الآن يرقد بلا حراك على محفته مضمداً بلفافات طبية سميكة جعلت ذراعه تبدو كذراع Popeye لقد أحب الجيش وأصبحت العسكرية حياته والمارينز عائلته. "الوفاء الأبدي" ليس شعارهم فقط، بل هو بالنسبة لهم نذر.
ستازي يريد العودة إلى الجبهة ليعاون زملاءه المارينز في القضاء على "المجاهدين". يريد مساعدة العراقيين: "ليكونوا أحراراً وليستطيعوا العيش مثلنا، دون خوف" كما يقول، لكن الطبيب قال: "ستازي يجب أن ينقل إلى المانيا، هنا لا نستطيع أن نقدم له الشفاء".

المشاجرة
سانتوس (19 عاماً) شقيق جوليو، كان يجلس أمام التلفزيون حينما نقلت الأخبار أن تسعة من الأميركيين قتلوا في يوم واحد هو من أسوأ الأيام بالنسبة للجيش منذ أسابيع. سانتوس أدار التلفزيون على القناة الرياضية، غفا وهو يستعيد رسالة جوليو الأخيرة: "هل تذهب الى المدرسة؟ انت تعرف بأنني أنتظر الكثير منك، ووالدتي تنتظر منك الكثير أيضاً". جوليو تحمّل دور الوالد منذ أن هرب هذا الأخير مع امرأة مكسيكية أخرى.

قبل أن يذهب جوليو الى العراق في المرّة الأخيرة تشاجر مع سانتوس، فبعد جولة في رينوزا، مسقط رأسيهما في مكسيكو، كانا احتسيا خلالها كثيراً من الخمر، تقيأ سانتوس في غرفة صديقة أخيه جوليو، فقام جوليو بضربه وإجباره على تنظيف المكان. منذ ذلك الحين لم تجر الأمور بينهما كما كانت في السابق، ولكن سانتوس، وبعد رسالة جوليو الأخيرة، كتب اليه يريد مصالحته:
"هل سيقبل جوليو بما عرضته عليه؟" كان يسأل نفسه قبل ان يغفو.
جوليو لم يرد الجواب بعد.

وحدة العناية بالموتى
الشمس تشرق فوق الحصيبة، نائب العريف نك ساوير يغسل وجهه. ساوير هو القائد المباشر لجوليو، كان يجلس معه في العربة عندما سقطت عليهم القنبلة. استطاع ساوير الصمود بما لديه من جنود عشرين دقيقة أمام 57 مهاجماً حتى جرى إخلاء جثة جوليو. قبل طلوع الصباح كان رافق جوليو في رحلته الأخيرة، ذهب به الى خيمة حفظ الجثث.

كل وظيفة في الجيش لها رقم تعرف به: 11B للمشاة، 91W للطبابة، 88M لسائقي الشاحنات، أمّا الذين يعتنون بالموتى ويعدّون جثثهم للدفن، فيحملون الرقم 92M أو 92Mike
جنود وحدة 92M يختلفون تماماً عن غيرهم. الوحدات المقاتلة تحمل شعارات حربية مثل "الموت من الأعالي"، "الساحقون" أو "لا هوادة"، أمّا شعار وحدة العناية بالموتى فهو: وقار خشوع، احترام.
جنود هذه الوحد يبقون معاً في الميدان، فحيث تقاتل فرقة من الجيش، يقيمون هم نقطة تجمع لهم على مسافة محددة منها، ويبقى موقع هذه الوحدة سرياً بالنسبة لجنود الفرقة الآخرين. قادة السرايا وحدهم يعرفون مكانها. معرفة الجنود بمكان هذه الوحدة يمكن أن يثير لديهم الإضطراب والتشوش النفسي فيما اذا اضطروا الى المرور بها أثناء قيامهم بالدورية. الإعتقاد الخرافي، بأن الإتصال أو التماس مع وحدة العناية بالموتى يجلب سوء الحظ، شائع جداً بين القوات. موقع هذه الوحدة عبارة عن خيمة كبيرة مموهة لا أكثر، بداخلها مجموعة من النقالات وحوض غسيل وطاولة صغيرة للكتابة.
عادةً تجلب الوحدات العسكرية قتلاها الى مقر الوحدة، فيوضع القتيل على أرضية من الباطون داخل الخيمة، ثم تقوم المجموعة التي جلبته بأداء تحية الوداع، حيث هذه هي المرة الأخيرة التي يمكن لأصدقائه رؤيته فيها. المهمة الأولى التي يقوم بها جنود وحدة العناية بالموتى هي التأكيد لهؤلاء الزملاء بأن صديقهم صار في أيادٍ أمينة وانه سيعامل بكل تقدير واحترام. بعد أن يغادر زملاء القتيل يرفع جنود وحدة العناية جثة الميت على محفّة ثمّ يبدأون عملهم بعد أن يفتحوا الكيس الذي لفت به.
إثنان من الفريق العامل في وحدة العناية يطلق عليهما اسم "الأيادي القذرة" حيث يقومان بتفتيش الجثة وتحديد الجروح ثم البحث عن الشظايا أو الرصاص. اثنان آخران يطلق عليهما اسم "الأيادي النظيفة" مهمتهما كتابة وتدوين ما تعثر عليه "الايادي القذرة" بالإضافة الى اسم القتيل، رقم التأمين الإجتماعي والمكان الذي قتل فيه. كل ذلك يسجّل في محضر في كتاب لونه أخضر داكن. في هذه الأثناء يخصص للجثة رقم إجلاء ثمّ توضع في كيس أشبه بكيس النوم له مقابض ستة يسمى في لهجة القوات "body bag" أي كيس الجثة. جنود الوحدة لا يحبون هذه التسمية، ففي نظرهم أن "النفايات توضع أيضاً في كيس"، لذلك هم يفضلون تسميتها human remains pouch محفظة الرفاة البشرية.
جنود الوحدة يجهزون جثث كل قتلى الميدان، الأمريكيين أو العراقيين. العراقيون يوضعون في برّاد أبيض في إحدى جهات الخيمة، الأمريكيون يوضعون في براد لونه مموه ويقع في الجهة الأخرى منها. عملية استقبال القتيل وإعداده ووضعه في البراد لا تستغرق أكثر من 15 دقيقة.
بالنسبة للأمريكيين، فالخيمة هي المحطة الأولى في رحلة العودة الطويلة الى عوائلهم، أما جثث العراقيين، سواء كانت لمدنيين أو لإرهابيين، فتدفن خارج القاعدة في صفوف عشرة مع توجيه الرأس نحو مكة. مكان الدفن يجري تأشيره على الخريطة كي يتمكن أقارب القتلى فيما بعد من التعرف عليهم.
في حالة جوليو استمرت العملية أكثر من اللازم بقليل، فالقنبلة أصابته إصابة مباشرة:-
"كان يقف منتصباً خلف الرشاش فتلقى الجزء الأكبر من الإنفجار" يقول نائب العريف ساوير. ويضيف: "بموته أنقذ حياتنا جميعاً".
وزير الحرب
في كل اسبوعين أو ثلاثة ترسل واشنطن واحدةً من الشخصيات المهمة إلى العراق بهدف رفع معنويات الجنود وتحفيزهم، وذلك دون إعلان مسبق بسبب الظروف الأمنية. بالنسبة للجنود الأميركيين هناك هذا الأمر مفرح حيث يفاجأون بنائب الرئيس يبحث في المعسكر عمن يريد أن "يثرثر" معهم من الجنود أو عندما يقدم لهم الرئيس ديك حبش بمناسبة عيد الشكر.
عندما جاء آخر مرّة دونالد رامسفيلد لزيارة القوات كان الأمر مختلفاً. أمام 23000 الف من جنود الجبهة سأله احد ضباط الصف: "لماذا نقوم بتصفيح عرباتنا بخردة النفايات المحلية؟" هنا ضيق رامسفيلد عينيه وزمّ شفتيه ثم قال: "هل تعرف؟ أنت تذهب إلى الحرب بما لديك من جيش وليس بالجيش الذي تحلم به أو بالجيش الذي تود أن يكون لديك في وقت لاحق".
رامسفيلد لم يفهم الأمر بأن من مهمته الإيضاح للجنود؛ لماذا يفضل أكبر جيش في العالم بناء درع صاروخي يكلف مئات المليارات من الدولارات على أن يزود جنود الجبهة بعربات مضادة للقذائف. رامسفيلد بحكم موقعه كوزير للدفاع مختص بالقضايا الكبرى وعليه أن يدافع عن "الأمة الأميركية ضد المجهول واللامرئي واللامتوقع" كما قال.

المجاهدون
المريض رقم 2699 يضطجع على السرير المتحرك، رأسه مضرّج بالدم وبدا لو أنه نائم، المريض الآخر رقم 2700 يصرخ إلى درجة تقطّع القلب، يزفر، يولول، ينادي بأعلى صوته بالعربية، يتلوى، يتقلب، الدم يسيل من ضمادات ساقه المصابة. الرقم 2699 نقل إلى صالة العمليات، حيث اجتمع جراحان حول ساقه. بعد نصف ساعة خرج مقطوع الساق.
الرقم 2700 حُلقت مؤخرة رأسه وقص الجرّاح قطعة صغيرة من جمجمته وهو يتفحص الآن الصورة المأخوذة بالأشعة حيث يبدو فيها بوضوح أن رصاصة من بندقية صغيرة استقرت مسافة 2سم في دماغه وخلّفت في مسارها ثلاثة شظايا عظمية.
أمام غرفة العمليات يقف جندي حراسة مزود بسلاح رشاش. ليس هنالك خوف من عملية هروب، ولكن على سبيل الإحتياط.
2699 و2700 يبلغان من العمر حوالي الخمسين، أصيبا "إصابة عمل"، كانا على وشك تفجير قنبلة عندما ضبتطهما الشرطة العراقية. وفي حمّى الإرتباك انفجرت العبوة. 2699 أصيب في ساقه، 2700 حاول الهروب فأصيب برصاصة في الرأس أسقطته أرضاً.
2700 إحتاج إلى الدم بشكل عاجل، إحدى الممرضات انطلقت إلى علب الدم التي تبرع بها أميركيون من أوكلاهوما، ميسوري، وفلوريدا لجنودهم في الجبهة وأنقذت حياته.

"مع قليل من الحظ نجا" قال الجرّاح بينما كان يخيّط جلد البطن ليحفظ تحته الجزء الذي قصه من جمجمة رأس المصاب إلى حين أن يخف ورم الدماغ ومن ثم يمكن إعادته الى مكانه.
بعد بضعة أيام إستفاق الرقم 2700 في المستشفى الميداني الأميركي في بلد، أكبر قلعة أميركية في العراق، إستفاق بدم أمريكي يجري في عروقه، وسيعلم لاحقاً أنه مدان بحياته لطبيب أمريكي كان يريد أن يقتل مواطنيه.
"نحن لا نفرّق" قال الجرّاح ابراهاميان: "عراقي، أمريكي، جندي، أو معتد، ما يعنينا هو الإصابات فقط، من كانت إصابته خطرة يأتي في الدور الأول".

الجروح
كعادتها في كل ليلة ستهبط الطائرة القادمة من ألمانيا لنقل الجرحى من العراق الى هناك، في هذه الليلة سينقل ستازي إلى ألمانيا. إنه منتصف الليل، أحد ما وضع فيلماً في جهاز الفيديو لكي يمر الوقت بسرعة ويقترب الصباح. ستازي لم يكن ينظر إلى الفيلم، كان ينظر من شباك الخيمة ويبحلق في الفراغ. لم يكن يرغب في الكلام. كان شارداً بذهنه في البعيد.
"نحن نسمي هذه الحالة – بَحْلقة الألف يارد-" قال المعالج النفسي آلان بيترسون الذي يتكون مكتبه من طاولة صغيرة في مؤخرة المستشفى محشورة بين صندوق التبريد وجهاز التسخين بالموجات الحرارية "المايكروويف".
"البحلقة هي أحد أعراض مرض الإجهاد النفسي" أوضح بيترسون ثم استطرد: "يسببها حادث ما يجعل المرء يقول لنفسه: -لا شيء سيعود كما كان- وذلك عندما تكون حياته مهددة على سبيل المثال، أو عند موت مفاجىء لصديق أو عندما يكون سبباً في موت غيره. الجنود يصفون هذه العوارض بأنها "جروح من غير دم".
سجلت هذه الظاهرة للمرة الأولى في الحرب الألمانية-الفرنسية عامي 1870-1871، وقد أطلقت أسماء عديدة على"المرض". في الحرب الأهلية الأميركية سمي مرض "الحنين إلى الماضي" أو "قلب الجنود". في الحرب العالمية الأولى سمي "shell shock" ومن ثمّ "إجهاد الحرب".
خمس سنوات بعد حرب فييتنام، وبعد أن دفع المرض –الظاهرة العديد من الجنود إلى التشرد والإجرام واليأس تمّ الإعتراف به كمرض قائم وتمّ تسجيله في السجل الدولي.بأسم posttraumatic stress disorder 
منذ حرب العراق وحتى الآن تمّ إجلاء أكثر من ألف جندي لأسباب نفسية، وذلك مجرد قمة جبل الجليد، يقول المعالج النفسي بيترسون.
واحدٌ من بين كل خمسة جنود يعودون من العراق تسجل لديه إضطرابات نفسية حادة أو متوسطة. أغلب الحالات تصبح ملحوظة بعد عودة الجنود إلى منازلهم بفترة.
"لابرانش" يمثل إحدى هذه الحالات. كان أحد رماة المدفعية في العراق على مدى تسعة أشهر. ظهره موشوم بالصور، في قفاه وعلى إمتداد عموده الفقري سيف موشوم وموشى بالكلمات التالية: "جئت لأرسلك إلى الجحيم".
يقول لابرانش: "وجع إبرة الوشم كان يشعرني بالإرتياح" ويضيف العريف الأربعيني: "بأن جسمه سليم لكن رأسه مشوش" ويختم قائلاً: "لسعات الإبرة تذكرني بأنني حي".

إن كنت جندياً عادياً أو في مشاة البحرية، ميكانيكياً أو طباخاً، فأنت لست بمأمن من الاضرار النفسية. نائب العريف المدفعي فيكتور رينا (21 عاماً) يخاف من الأصوات العالية. في حفلة للأطفال أسرع للإختباء تحت الطاولة عندما فرقع إحد البالونات الهوائية: "اعتقدت أننا تحت مرمى النيران".
كمبرلي وليامز (40 عاماً) معلمة تدريب أساسي في مشاة البحرية، تصيبها نوبات حادة من البكاء والنحيب منذ أن وجهت مسدسها صوب فتاة عراقية في السابعة من العمر كانت اقتربت من قافلتها متخطيةً حدود "المسافة الآمنة".
آخرون مصابون بنوبات غضب، يعانون من الإرتباك والحيرة والبلبلة والكوابيس والبلادة والتفكير بالاقدام على الإنتحار، ودائماً بسبب الشعور بالذنب لأنهم قتلوا أحداً ما أو لأنهم نجوا بينما قتل زميل لهم.
"نحن لا نتوهم" يقول المعالج النفسي بيترسون: "حتى يحين وقت الإنسحاب من العراق سيكون لدينا المزيد من هذه الحالات".

الصمت اللاسلكي
في الحصيبة لملم زملاء جوليو أغراضه الخاصة: -اسطوانات مدمجة، أدوات حلاقة وحمام، كتب وGame boy. سترسل جميع هذه الأشياء إلى مستودع الجيش للأغراض الخاصة في ميريلاند.
مباشرة بعد الإعتداء أوقف خط تلفون السرية وأغلقت جميع أجهزة الكمبيوتر. ذلك إجراء إعتيادي بعد كل حادثة موت تحصل لكي لا يرسل أي خبر إلى عائلة القتيل قبل تبليغها بذلك رسمياً.
جوليو أصبح الآن في الكويت حيث يحضّر لرحلة العودة إلى الوطن. درجة الحرارة هناك بلغت عشرين. في واشنطن الشمس تشرق وسيدة البيت الأبيض لورا بوش تتلقى Miss Beazly، كلبتها الاسكتلندية الجديدة، تحملها بفخر وتستعد لإلتقاط الصور معها. كانت لورا ترتدي تنورة حمراء وتقول ضاحكة "Miss Beazly أحبت أجواءنا وستكون مرتاحة وسعيدة هنا".



الملاك
في الرابعة فجراً توقظ الممرضات جرحى المستشفى العسكري في بلد واحداً تلو الآخر، ينقلون الى الباص الذي سيقلهم إلى مهبط الطائرات. ستازي نقل حتى باب الطائرة نظراً لإصابته البالغة. فريق الإجلاء الذي أقلع من ألمانيا قبل ساعات عدّة حوّل طائرة النقل إلى غرفة مستشفى. النقالات ثبتت في داخل الطائرة بعضها فوق بعض بثلاثة صفوف، الممرضات يصافحن الجرحى فرداً فرداً ويستعلمن عن الجروح والإصابات. في مقصورة الطائرة يجلس الطيار باتريك درسكول من أوهايو، وهو ينظر الى ساعته بقلق. هنالك تأخير، فإذا طلع الصباح ستزداد خطورة وإحتمال إسقاط الطائرة عند الإقلاع. بالطيران الشاهق فقط يستطيع تجنب الخطر. درسكول يقوم بهذه المغامرة الشجاعة في العراق مرّة واحدة كل شهر، وذلك هو "اسهامه المتواضع من اجل الحرية" كما يقول.
يضيف: "عندما أنظر إلى حمولة الطائرة يعتريني التواضع والخشوع، فهنالك من قدّم أكثر مني".
فوق جبال كارباتن، وقبل بلوغ ألمانيا أصيب ستازي بالغثيان. ناولته الممرضة مهدئاً، غفا على المحفة. قبل الهبوط بقليل غرزت الممرضات في كيس الأغراض الخاصة لكل مصاب ملاكاً ذهبياً مع بطاقة صغيرة كتب عليها: "ليسهر هذا الملاك من أجل شفائكم".
7 كانون الثاني، في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر هبط ستازي في المانيا. في الكويت ما زال جوليو يرقد في صندوق فضي محفوظاً في الجليد بانتظار رحلة العودة.
في فير بتكساس عادت والدته سينوبيا الى المنزل بعد يوم عمل طويل في حانتها. كانت في حالة تعجّب ودهشة لانها منذ أيام لم تسمع شيئاً عن جوليو. ولكن ماذا يعني ذلك عند أمهات الجنود؟: عدم ورود خبر سيىء هو بحد ذاته خبر جيد.
قبل ذهابها الى فراش النوم أعدت بسرعة صندوقاً صغيراً لجوليو: فيتامينات، لحم مجفف، رقائق بطاطا وعلبة مناديل رطبة يمسح بها الغبار عن وجهه وتخفف عنه حرارة الجو هناك.
إنتهت الحلقة الأولى تليها الثانية

 
 

المدير الفني للصحيفة: هكار فندي                                ادارة الموقع: بسنة محمد صالح

Tel:  004724135217   008821621141168   00905358731099                       Fax: 004724135225  

2003 - 2004 Copy Rights - Al-Ahali

Designed and hosted by