Translations

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

قصة موت جندي

ستازي عاد جريحاً وصديقه الحميم عاد رقماً
جوليو هو الجندي رقم 1341 الذي يقتل في العراق

مجلة "أسبوع العالم" السويسرية
ترجمة: جواد الساعدي
تمهيد

محرر الشؤون الأجنبية أورس غيرغر Urs Gehriger والمصور الفوتوغرافي هلموت فاختر Helmut Wachter ذهبا إلى العراق والى الولايات المتحدة بحثاً عن قصص بعض الجنود الأمريكيين، فخرجا بقصة إثنين من الأصدقاء هما جنديا المارينز Stacy Alexander و Julio Gisneros Alvarez .
خطوة خطوة رافقا الجنديين خلال رحلتهما الطويلة وهما عائدين من الجبهة إلى الوطن. وأثناء قيامهما بهذا التحقيق أصبح مندوبا مجلة أسبوع العالم السويسرية ذاتهما موضوعاً للإعلام الأميركي. زملاؤهما الصحفيون في تكساس بدوا مستغربين ومتأثرين لأن "أحداً ما يكلف نفسه عناء السفر ليتحدث عن جنود أمريكا ومصائرهم"
"إهتمامكم يستحق الملاحظة" قال أحد المراسلين المحليين لمصور المجلة وأضاف: "نحن لا يجوز لنا حتى النظر عندما تُنزّل النعوش من الطائرة". مجلة المونيتور بدأت تقريرها عن المراسلين بالتالي:
"قصة العريف جوليو الفاريز شقت طريقاً طويلاً حتى وصلت إلى سويسرا".

الحــــــــلقة الثانية

سينوبيا، والدة جوليو، أوشكت أن تغفو، حينما سمعت طرقات الباب: "في هذه الساعة؟ هل هم الجيران؟ هل نسيت أن أطفىء ضوء السيارة؟"
نهضت من سريرها وهي مثقلةٌ بالنعاس، وطئت أقدامها الأرض وخرجت من غرفة النوم، في الصالون توقفت حين رأت من الشباك اثنين من الرجال يقفان بزيهما الرسمي:
-"إفتحي رجاءً أيتها الوالدة" جاءها الصوت من الخارج
سينوبيا أسندت ظهرها إلى الباب
-"أيتها الوالدة، رجاءً"
ببطء إنزلقت إلى الأرض وغطت ركبتيها بقميص النوم
-"أيتها الوالدة، نحن مضطرون للدخول"
سينوبيا ضغطت وجهها بيديها.
الساعة الرابعة والنصف فجراً، الرجال يقفون في الصالون: "سيدتي، لدينا مهمة محزنة، أيتها الوالدة،.... إن إبنك... يا والدة، سقط من أجل الوطن بنيران معادية في محافظة الأنبار"

على مدى أجيال كانت شركة ويسترن يونيون Western Union، وبتكليف من الجيش الأميركي، تقوم بتبليغ العوائل نبأ مقتل أبنائها او الأزواج. في بداية حرب فيتنام إكتشف الجيش الأميركي بأن الشركة لا ترسل موظفيها الخاصين لهذه الغاية، إنما تكلف بعض سائقي التاكسي للقيام بهذه المهمة، ولكن سائقي التاكسي أيضاً ما كانوا يرغبون بالإستمرار بهذا الواجب الصعب. منذ ذلك الحين بدأ الجيش يكلف رجاله لتبليغ تلك العوائل:-
"جوليو مات على الفور" قال الرجال لوالدته: "لم يعان قبل الموت".

الأرامل، الآباء والأمهات أو الأولاد يقال لهم دائماً بأن عزيزهم توفي على الفور. ذلك أسهل بعض الأحيان من تقديم شروحات مثل: كيف حاول زملاؤه إنقاذ حياته وفشلوا، كيف عاش بضع ساعات، كيف قطعت يده أو تطاير وجهه، كيف وقف الأطباء حائرين أمامه أو كيف عانى من سكرات الموت. أحياناً من الأسهل القول انه مات على الفور دون أن يشعر بالألم.

المحضر
ضباط التبليغ يتبعون التفاصيل الواردة في المحضر الذي هو عبارة عن كتيب صغير يحمل العنوان التالي: "Casualty Notification Guide".
بناءً على هذا المحضر لا يحق لهم أن يتحدثوا عن التأمينات او عن القضايا الشخصية أو الأخطاء التي يحتمل أن ارتكبها الجندي في حادث موته. على هؤلاء الضباط أن يتمتعوا بحسن تقدير الموقف وان لا يتحدثوا عن التفاصيل الدموية أو المؤلمة وأن يتجنبوا حركات أو لفتات التعاطف المبالغ بها.
ومن أبرز الأمور التي يشدد عليها وممهورة بكلمة "مهم" هو التحذير من أن يلمس أفراد العائلة محضر التبليغ بأيديهم، إلاّ في حال الصدمة أو فقدان الوعي.
إخبار عائلة جوليو جرى بدون مشاكل، الضباط المبلغون إلتزموا بما جاء في المحضر، والدته بكت وانتحبت لكنها أعطت لمن بلغها بالخبر إنطباعاً بالقوة والصبر، لم يسمعوا كيف كان جوليو يصرخ في داخلها، لم يروا كيف خنقها الألم.
قالوا لها أن ضابط العناية سيأتي إليها خلال الأربع وعشرين ساعة القادمة، وهو من سيهتم بكل التفاصيل الأخرى. عبروا لها عن تعاطفهم وتعازيهم مرّة أخرى واستأذنوا بالإنصراف ثم أغلقوا وراءهم الباب.

البوابات الخلفية
جوليو الفاريز هو الجندي الأمريكي رقم 1341 الذي يسقط في العراق منذ بداية الغزو. كُبريات الصحف اليومية في الولايات المتحدة تنظم قوائم بالقتلى مدرجين حسب الأشهر. يومياً تدرج أسماء القتلى الجدد في المقدمة. الحكومة الأميركية على موقعها في الأنترنيت تنظم قائمتها الخاصة. عندما تدخل إلى الموقع تلاقيك في البدء موسيقى حداد.
الآن وبعد أن بُلّغت العائلة نجد اسم جوليو في مقدمة القائمة. في إطار صغير نرى صورته وهو في بدلة المارينز السوداء، قبعته تظلل وجهه ذا اللون الأسمر، نظرته فخورة وهو يركزها على الكاميرا. إلى جانب صورته كتبت خمسة أسطر: "الاسم، الرتبة، الوحدة، مكان وتاريخ وسبب الوفاة: "قتل أثناء عملية تثبيت الأمن والإستقرار في محافظة الأنبار". خمسة أسطر فقط، هي كل ما يحصل عليه الناس من الجانب الرسمي عن جوليو وحياته.

عندما ذهب الجيش الأميركي قبل عامين إلى الحرب كانت ترافقه الموسيقى العسكرية وجيش آخر من المراسلين. يومياً كانت تسلط الكاميرات على الجنود، خصوصاً اولئك الذين يطلقون القذائف والصواريخ من بعيد، ولكن عندما كان القتلى يعودون إلى أميركا ليس مسموحاً لأحد أن ينظر إليهم، فهم يجلبون من البوابات الخلفية: دوفر وديلاوير. Dover , Delaware
منذ عشرات السنين يُجلب القتلى الى قاعدة دوفر الجوية في الساحل الشرقي للولايات المتحدة. وحدة من حرس الشرف بقفازات بيضاء تنزل النعش من الطائرة وأحد القساوسة يلقي كلمة.
ثلاثون عاماً بالضبط تجري هذه الطقوس تماماً في العلن. الأرامل واليتامى يستقبلون قتلاهم أمام أعين الأمة. جميع الرؤساء، من كارتر الى ريغان وبوش الأب وصولاً الى كلينتون يمنح حضورهم الى المطار شرفاً واعترافاً رسمياً. وبهذا كان يستطيع الشعب الأميركي كل مساء أمام التلفزيون أن يتساءل فيما اذا كانت حرب ما تستحق كل هؤلاء الناس الذين تهبط بهم الطائرات في دوفر.
منذ أن أرسل جورج بوش الإبن القوات إلى العراق، أخذ الأمر يجري بشكل مختلف. منذ آذار 2003، في دوفر وفي كل مكان ينقل إليه القتلى لم يعد أحد من الشعب يعرف ماذا يجري هناك. تقديم التقارير عن القتلى العائدين، بكل أنواعها، ممنوعة. الصور عن الجنود القتلى في طريق عودتهم إلى الوطن لا تشرح "كامل قصتهم" لذلك فهي "لا تمثل الواقع" وفقاً لتوضيح رسمي للسياسة الجديدة.

الإختيار
والدة جوليو فتحت الباب، هذه المرّة وقف أمامها رجل واحد ببدلة رسمية وفي حقيبته شيك بمبلغ 12000 دولار، هذه منحة تدفع لمرّة واحدة في سبيل تسديد نفقات العزاء، أما الدفن فسيدفع تكاليفه الجيش.
سينوبيا أخذت الشيك دون ان تنطق بكلمة، ولكن كان عليها أن تتخذ مع ضابط العناية بعض القرارات لكي تجري الأمور بسرعة:
خشب أم معدن؟ سأل الضابط
معدن، قالت سينوبيا
نعش معدني- دوّن الضابط
عادي أم جنرال؟
جنرال؟ سألت سينوبيا، ماذا يعني جنرال؟

"منذ الحادي عشر من أيلول 2001، ومع كل عملية دفن لعسكري، يقوم الجيش إذا رغبت عائلة القتيل بتكليف أحد الجنرالات لحضور الدفن" شرح لها الضابط وسأل: "هل تريدين حضور جنرال".
قالت سينوبيا: "نعم".
سينوبيا اختارت مقبرة ليست بعيدة عن بيتها وقررت ان يدفن جوليو بكل المراسيم العسكرية، كماطلبت فرقة مرياشي مكسيكية لهذا الغرض.
في حديقة البيت نصب جنود الجيش العاملين في المنطقة ساريةً عليها العلم الأميركي. تحت السارية راية صغيرة كتب عليها: "عملية تحرير العراق". كلما مرّ الآن أحدٌ في الحي، يعرف من بعيد أين تسكن عائلة الجندي جوليو المكسيكية.
الجيران يتوافدون للتعزية. من بين هؤلاء جوان كاسافوس الذي أعطى لجوليو قبيل ذهابه الى العراق ميدالية كان حصل عليها أثناء خدمته في الأسطول البحري في فيتنام. قال له: "إحملها معك، ستجلب لك الحظ".
في اليوم التالي كتبت الطبعة المحلية لصحيفة المونيتور على رأس صفحتها الأولى تقول: "الجندي القتيل كان يريد دراسة الطب" وسردت في مقال لها أهم المحطات في حياته بدءاً من هجرته غير الشرعية مع أمه من المكسيك الى الولايات المتحدة الاميركية عام 1990 مروراً بانهائه الثانوية العامة وشروعه بدراسة الطب عام 2001 ثم إنقطاعه عن الدراسة عام 2002 لأسباب مالية وإلتحاقه بالمارينز عام 2003 وإرساله الى العراق عام 2004 وصولاً الى سقوطه قتيلاً عام 2005.
"كان يريد أن يصبح طبيباً" نقلت الصحيفة عن أمه التي أضافت: "كان يعتقد أن المارينز سيساعدونه على ذلك، لكنه الآن ميت".

المهمة
دوغلاس هوارد، ذو الصوت المخملي الناعم، هو أكبر وأقدم الدفانين في الجيش الأميركي. عندما يتحدث لا يحرّك يديه المستريحتين على حجره بينما يتلألاً في الاصبع الصغير من يمينهما خاتم برّاق.
قال: "مرتان أردت أن اعتزل الخدمة، ولكن الرب في كل مرة لم يرد لي ذلك".
ثم اشتعل بريق حاد في عينيه وهو يضيف: "الرب هتف بي، انه يأخذ بيدي ويعطيني القوة اللازمة".
بالرغم من أن هوارد لا يحمل رسمياً لقب كبير الدفانين فانه كمعلم لدفاني الجيش الأميركي يعتبر الأب الروحي للوحدة التي بلغت للتو حدود السرية وضمت بينها 230 فرداً.
هوارد يعمل في فورت لي بفرجينيا، في صالة بالقرب من ريجموند يدرّب الشباب المترشحين لوظيفة دفّان في الجيش. يراقب المترشحين جيداً ويستبعد من بينهم أولئك الذين تصفر وجوههم ويعتريهم الشحوب والإرتباك ولا يتصرفون بمهارة أو –في أسوأ الأحوال- أولئك الذين يسردون النكت في محضر الموتى.
-"عندما تفقد الشعور بما تحسُّ به عائلة الضحية، فانك تكون قد فقدت كل شيء" يقول هوارد.
بينما يعمل الجنود الآخرون من أجل النصر والرفعة يعمل الدفانون في الغرف المعتمة للحرب، سراً، كأنهم غير موجودين على الإطلاق.
"هدفنا أن لا نفقد أحداً، حتى الآن لم نخسر الهدف، فليس لدينا قتيل في العراق لم تنقذ جثته، وقد كان ذلك ممكناً لأن عدد القتلى هناك قليل، في فييتنام خسرنا 85000 قتيل لم نعثر على 17000 منهم، في الحرب العالمية الثانية سقط لنا 400,000، خمس هذا العدد لم نستطع إنقاذه أو التعرف إلى جثته. أمّا اليوم فان امريكا تخوض حروباً صغيرةً وباستطاعتها ان تعنى بقتلاها أفضل من السابق. في خلال خمسة إلى عشرة أيام يكون القتيل وصل إلى أقاربه".
منذ عام 1958 يعمل هوارد دوغلاس في "شؤون الموت" كما يسمي عمله. في الثانوية العامة قيل له انه يصلح لمثل هذه المهنة. شهد الكثير من ميادين المعارك الحربية في هذا العالم ورأى "أشياء سيئة" في حياته كما يقول، لكنه لا يريد أن يعمل شيئاً آخر غير الدفن وانه سيواصل عمله هذا "حتى يأخذه اليه الرب".

الزيارة
مرّة أخرى، وللحظة قصيرة، أصبح جوليو قريباً من صديقه الحميم ستازي عندما عبرت الطائرة التي كانت تقله الأجواء الألمانية في طريقها من الكويت إلى دوفر. كان جوليو ممدداً في صندوق خاص على أرضية الطائرة، أقدامه وضعت باتجاه طيرانها، ومن تحت على بعد عشرة كيلومترات منه كان ستازي في المستشفى الأميركي في ألمانيا، ربما هو نائم في هذه اللحظة، أو ربما تجرى له عملية ما.
منذ أن وصل ستازي الى المستشفى في المانيا لم ينطق تقريباً سوى: "لا، شكراً"، "قليلاً من الشاي رجاءً"، "شكراً، ذلك يكفي". كان شحيحا في الكلام ومهذبا.
قالت عنه إحدى الممرضات إنه من "طراز صلب ومتماسك" بينما قالت أخرى: "لا بد أنه عاش أشياء مخيفة، الحزن يبدو في عيونه".
مرّة، إرتسمت البسمة على وجهه فصاح: "هؤلاء المارينز العظماء، هنا، عندي، إنه لشيء كبير بالنسبة لي".
وفد من ضباط المارينز كان وصل للتو ليسلم أفراد طاقم المستشفى شارات خاصة "لجهدهم الكبير في معالجة جرحى المارينز خلال عملية تحرير العراق". الضباط قاموا بجولة وهنأوا الجنود الجرحى لما بذلوه في الحرب ضد الإرهاب. أعرب الوفد عن تقديره الخاص للجندي ستازي لأن اصابته هي الأخطر من بين الراقدين في القسم.
قال أحد الضباط وهو يودع الجنود: "الأهم الآن هو أن تتماثلوا للشفاء لكي تتمكنوا قريباً من العودة إلى المعارك".
-"ﻫ.......ي" هتف الجرحى.
أحد أعضاء الوفد إلتقط صوراً للزيارة نشرها موقع المارينز على الإنترنيت، وقد لوحظ كيف أن الضباط ينحنون حول ستازي ويصافحونه بهز يده غير المصابة.
وجه ستازي كان شاحباً الى حد كبير. أربعة أيام مضت على الإصابة. بالأمس تمكّن من الاتصال بعائلته والتحدث مع أمه قليلاً: "نعم يا أمي، كان الأمر صعباً، واحدٌ منّا لم يتمكن من النجاة... لا يا أمي، أنا بخير". هذا هو الإتصال الوحيد الذي أجراه ستازي. لم يهاتف سينوبيا بعد، والدة أعز أصدقائه. ربما فكّر بأن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت وربما قال لنفسه "يجب أن تخرج من هول الصدمة أولاً".

النعش
بعد مرور أربعة أيام على موته وصل جوليو إلى دوفر، الهيكل العظمي مكسو، الفم نظيف تماماً، الأنف حاد مدبب والعيون غائرة في الأحداق.
عرض على الطبيب الشرعي لفحصه ولمعرفة كيف قتل، حيث هذا الاجراء أصبح ملزماً منذ حرب العراق.
أُلبس جوليو البزّة الرسمية للمارينز وعُلّق في ياقته وسام القلب الأرجواني، وهو وسام يمنح للجرحى أو القتلى الذين يسقطون بسبب إصابات بالغة. المسؤولون عن ذلك يدققون باستحقاقات القتيل من الأوسمة والميداليات، فالخطأ أو الإهمال يمس كرامة عوائلهم وإفتخارها.
بعد إنتهاء الإجراءات، أرقد جوليو في النعش المعدني. عوائل القتلى باستطاعتها أن تختار بين ثلاثة أنواع من النعوش: مكشوف، مغطى يمكن فتحه لرؤية الميت والتعرف اليه أو مغلق تماماً. وحيث يمكن الأمر يحنّط وجه القتيل وتملأ الفراغات في جثته ويجري تعديل طريقة استلقائه ثمّ يُزيّن ويدهن أخيراً بالبلسم.
في حال الموتى الذين تتعرض وجوههم الى تشويه كبير ينصح الأقارب باختيار النعش المغلق. قبل ذلك يزرق القائمون بالأمر مادة البلسم السائل في كل الأجزاء التي تسلموها من الجثة ثم يلفونها بقطعة من القماش ويربطونها بشكل لولبي ثم يلفونها بقطعة قماش أخرى، وأخيراً ببطانية عسكرية من اللون الأخضر الزيتي تطوى بشكل متقاطع وتدبّس بدبابيس كبيرة حتى تصبح حزمة ثم توضع في النعش. كما يجري قبل كل ذلك تزيين البزة الرسمية بالأوسمة والنياشين حتى يبدو الميت كأنه إنسان كامل في النعش فيما اذا أصرت العائلة على فتحه.
أقارب الموتى المصابين الى درجة التشوه ينصحون من قبل الجيش بابقاء النعش مغلقاً، ولكن رغم ذلك تطلب بعض العوائل فك الحزمة.
يقول كبير الدفانين دوغلاس هوارد: "هؤلاء رأوا ابناءهم وهم يذهبون الى الحرب، ولا يريدون الآن ان يصدقوا انهم ذهبوا إلى الأبد... يريدون رؤيتهم مرّة أخرى".
في هذه الأحوال ينصح هوارد أن ينظر فردٌ واحد من العائلة في النعش.

سينوبيا قررت أن تختار نعشاً مغلقاً بالرغم من ان القيّمين استطاعوا إعادة إصلاح وجه إبنها بدقة.

القبر
في اليوم الذي وصل فيه جوليو الى الولايات المتحدة أذيع في الأنباء أن "شارلي غادر العراق".
شارلز دويلفر، رئيس الفريق الأميركي للتفتيش عن الأسلحة في العراق كان عاد الى الولايات المتحدة قبل أعياد الميلاد. العنف وعدم وجود معلومات جديدة دفعاه الى ذلك كما قيل. البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق الذي أعلن عنه جورج بوش قبل عامين أوقف بشكل نهائي.
ما كان قبل عدة أشهر واضحاً، أصبح الآن مؤكداً: صدام لم يكن قبل الحرب يملك أسلحة دمار شامل، كان دمّرها قبل الغزو بسنوات.
"ذلك لا يغير من الامر بشيء" قال سانتوس شقيق جوليو. سانتوس يؤيد موقف الرئيس بالذهاب الى العراق ويقول انه "افضل قرار رئاسي اتخذه، العالم اكثر حرية الآن بدون صدام".
ويضيف: "شقيقي جوليو دفع حياته ثمناً لهذه الحرية".

ريحٌ قوية، باردة كالجليد، بدأت تصفر عندما وصل جوليو في العاشرة مساءً على متن طائرة بوينغ 747 الى مطار ميلر الدولي في ماك آلن بتكساس.
ببنطلون جينز أزرق وقميص أبيض كان سانتوس واقفا أمام باب مستودع الشحن في الطائرة قبل أن يحمل هو وستة من رجال المارينز نعش أخيه ليخرجوه من الطائرة. يومان بقي جوليو في النعش قبل أن يدفن.

الهدوء التام يخيم على القبر المفتوح، اربعمئة من الأقارب والأصدقاء والمعارف جاؤوا ليحضروا الدفن، بعضهم من كاليفورنيا والبعض الآخر من مكسيكو.
قافلة من السيارات تتقدمها واحدة تحمل النعش، جنود المشاة يصطفون على جانبي الطريق، حرس الشرف أطلقوا 21 طلقة في سماء المقبرة. اثنان منهما رفعا العلم الأميركي الذي كان يغطي النعش، طوياه ثلاث عشرة مرّة حتى أصبح مثلثاً صغيراً لا يظهر منه سوى القاعدة الزرقاء المرصعة بنجوم بيض كرمز للسماء.
"الواجب، الكرامة، الوطن" هتف واحد من حرس الشرف. بعد كل كلمة يقولها بصوت عالٍ ومقتضب كان يضع رصاصة بندقية بين ثنايا العلم الملفوف. بعد ذلك قدم العلم لوالدة جوليو، سينوبيا، التي ضمته الى قلبها في لحظة كانت الذروة في المراسيم العسكرية، بعدها قدّم جنرال الجيش تعازي الرئيس لعائلة الفقيد.

بوش الإبن لم يشترك حتى الآن في مراسم دفن أي من ضحايا حرب العراق: "لا يريد الرئيس أن يشوش الأجواء الخاصة أوالتعزية العائلية" هكذا قيل رسمياً، ولكنه "يشعر بالحزن مع أقارب الضحايا" كما أكد المتحدث باسم البيت الأبيض.
عند القبر وقفت فرقة "المرياشي" المكسيكية تعزف الحانها. أربعمائة إنسان مروا بالقرب من النعش، بعضهم ألقى زهوراً وبعضهم الآخر ألقى نظرة أخيرة. في الختام ودّعه شقيقه سانتوس، فألقى عليه التحية باحدى يديه وفي اليد الأخرى وضع فوق النعش زجاجة ويسكي معتّق من النوع الذي كان يفضله جوليو.
أخيراً صرخ الدفانون بأعلى صوتهم: "هيا الى العمل"، فبدأ التراب ينهال على جوليو. وشيئاً فشيئاً أخذ يغرق في تراب الأرض التي سكنها دون حقوق, الأرض التي كانت تعني له الكثير ولأجلها أعطى كل شيء. أخيرا,ً هي الآن تستقبله وتضمه إلى أحضانها.

الصوت
منذ وفاة جوليو لم تنزل من عيون سانتوس قطرة دمع أمام الآخرين. عندما كان يفقد القدرة على التحمّل كان يقود سيارته دون هدف، يجعل الموسيقى تدوي عالياً حتى ينفجر ويبكي، كان بكاؤه عويلاً عندما لا يراه أحد، يبكي حتى تفرغ عيونه من الدمع, يصرخ ليلاً منادياً شقيقه جوليو: "جوليو، أين أنت، هؤلاء الـ (.......) جوليو نحن نفتقدك".
أحياناً أخرى يتوهم بأنه يسمع صوت جوليو يقول: "كل شيء على ما يرام، أنا لا أشكو من أية أوجاع او آلام" عندما يغادر سانتوس البيت يكون منهكاً, ولكنه لا يدع فرصة للآخرين ليلاحظوا ذلك. هو يدرك بأنه أصبح الآن كبير العائلة وعليه أن يكون قوياً.

الحقيقة
"الحقيقة كما هي" يقول البرتو فيللالباندو "اننا نحن الذين ننحدر من أصول إسبانية، لسنا سوى وقود حرب بالنسبة للحكومة".
البرتو يجلس في حانة وأمامه بيرة من نوع شاينر، من يشرب "شاينر" في تكساس يعد منطوياً على نفسه وإنعزاليا:
-"عائلة جوليو يجب أن تدعم الحرب، وإلاّ فسوف لا يكون لموت جوليو أي مغزى".
البرتو فيللالباندو (52 عاماً) معلم في مدرسة تدريب المشاة، سانتوس احد تلاميذه: "هنا في "ريو غراندا فالي" غنائم الجيش بسيطة. في كل مدرسة يتواجد ضباط التجنيد كمضللين يتربصون بالطلاب. الكثير منّا عبر الحدود بطريقة غير شرعية، أقام هنا بلا حقوق ولا أمل بوظيفة جيدة، الإمكانية الوحيدة أمامنا للتخلص من هذه الكآبة هي ان نصبح جنوداً، في المدرسة لا يمكنني قول هذا وإلاّ فصلت من وظيفتي" قال البرتو ثم شرب قليلاً من البيرة مسح بعدها الرغوة من على فمه وأضاف: "انظر اذن إلى لون جيشنا، أليس أسمراً؟ لماذا كل هؤلاء السود وذوي الأصول الإسبانية في الجيش؟ لا أحد منهم سيكون هناك لو أعطي فرصة جيدة للحصول على وظيفة".

"الحقيقة كما هي" يقول ديفيد مارتينز أن "جوليو أحبّ أمريكا وأراد أن يكون جندياً".
مارتينز ضابط تجنيد في المارينز، كان جنّد جوليو، وهو يجلس الآن خلف مكتبه في مركز الأسواق التجارية في فار بتكساس يفحص طلبات التجنيد: "جوليو شرح لي الكثير عن والده الذي تركهم مبكراً وعن العائلة الجديدة التي كونها مع امرأة مكسيكية أخرى، وعن أخيه غير الشقيق المعاق. جوليو كان يحتقر والده ولكنه كان يريد معالجة الطفل، لذلك كان يريد أن يصبح طبيباً. لقد أتى إليّ فقلت له: "قوات المارينز ستساعدك على الأرجح، تذهب إلى الخدمة اربع سنوات ثم تحصل على منحة دراسية".
يضيف مارتينز: "لم يكن المرء بحاجة الى إقناع جوليو، كان يريد في كل الأحوال الإلتحاق بالمارينز، ولكن والدته كانت لا تريد، كانت تقول: "لا يجب أن يذهب إلى الحرب، أنا أكسب ما يكفي، ولكن جوليو كان يريد الإعتماد على نفسه، انه فخر وكبرياء مكسيكي، أتفهم ذلك. لقد كان يريد أن يكون الأحسن".
"جوليو كان لديه خطتان" كما يقول شقيقه سانتوس: "عند إجتياز الحرب كان سيدرس الطب ليصبح طبيباً يعالج أخينا الصغير ويهتم بالعائلة، أما عند العكس فان العائلة ستحصل على مبلغ 250 الف دولار من التأمينات التي يوقع عقدها كل جندي. وهذا ما كان بالنسبة لجوليو. كانت له خطتان، خطة للحياة وأخرى للموت".

السكوت
6 شباط، شهر كامل مرّ على الهجوم الذي حصل في العراق. ستازي لا زال في المستشفى، هو الآن في كاليفورنيا، في المقر الثابت لكتيبته، أجريت له عملية أخرى، لكنه يتعافى ببطء. قريباً سيتمكن من الذهاب الى بيته لبضعة أيام كنقاهة. والداه سيستقبلانه في المطار.
عريف من شرطة الخطوط السريعة ناوله فنجان قهوة مع إهداء "لأبطالنا في الحرب". ستازي قال: "أحد الأصدقاء أنقذ حياتي" ثم سكت.
في فار بتكساس عائلة جوليو تنتظر منه إتصالاً هاتفياً، لكنه لم ولن يتصل، لأنه لا يريد الحديث عن الحرب.

الرسالة
العائلة تتلقى بريداً من العراق، كان ذلك رسالة جوليو الأخيرة، بعث بها قبل موته بيوم واحد:
"سانتوس، أنا سعيد لأنك تريد أن تنهي الخلاف الذي بيننا، وأنا كذلك اريد أن أنهيه. لقد غفرت لك".
"والدتي العزيزة، يا أحسن الأمهات في العالم، أنا اسمع أن لديك صديق جديد، أنت لا تصدقين كم أنا سعيد بذلك، أمي أرجو أن تذهبي إلى الكنيسة. إدعِ الرب واطلبي منه المغفرة، لقد إنتزعت حياة الكثيرين، هنا في العراق. الحقيقة لا يعرفها إلاّ أنا وأنت ويسوع المسيح، الرجاء يا والدتي أن تشعلي شمعة وأن تصلي من أجلي".

الشكر
ربما كانت غاضبةً على الرئيس، لكنها لم تقل ذلك. لم تقل بأن الرئيس سرق مني إبني ولم تقل إن إبني دفع حياته ثمناً لكذبة الحرب التي خلقتها الحكومة. هي ليست إلاّ حزينة.
سينوبيا إرتدت قميصها الأسود واستقلّت السيارة. لديها موعد مع سلطات الهجرة. بعد 34 يوماً على مقتل جوليو في العراق سلمتها موظفة الهجرة المحلية، وبمراسيم لم تتجاوز الدقائق الستة، شهادة مؤطرة وعلم أمريكي ورسالة جاء فيها:
"جوليو دفع الثمن الأغلى, فمن غير المناسب هنا أن نكافئه إلاّبالشرف الأكبر: "حقوق المواطنة الأمريكية"
ثم رسالة أخرى، هي رسالة التهنئة الرئاسية التي يحصل عليها كل كواطن أميركي جديد. في الأسفل توقيع الرئيس جورج دبليو بوش مختوماً على ورقٍ ناصع البياض.

إنتهى


الأهالي العراقية العدد 132 24.08.2005

 

 

 

 

Home  
About him  
Declaration  
Translation  
Articles  
Poetry  
Drama  
New  
contact  
   
   
 

 

 

 

 

 
 

Copyright©2009-2015 all rights reserved. Designed and created by Jawad El-Saidi