Translations

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

أبومصعب الزرقاوي: الصعود السريع إلى قمة الإرهاب

الحلـــقة الأخيرة

تحقيق : أورس غيْـرغر Urs Gehriger
ترجمة : جواد الساعدي
عن : فيلت فوخة – أسبوع العالم السويسرية

يتحرك الزرقاوي من ميدان إلى آخر بحرية كاملة، وحتى من الصحراء العراقية إلى أجزاء أخرى من العالم عبر فضاء الإنترنت. بوش وجنوده بالنسبة لأمير الإرهاب ليسوا سوى كومبارس في مسرحية درامية يخرجها لوحده.


*******

نظر إيفان كولمان الى شاشة هاتفه االخليوي فأصيب بالأندهاش، كان يرى فيلماً بدا فيه رجل ممد على الحشيش وعلى رأسه حذاء، لحظات وتظهر سكين، بعدها، عشرون ثانية غرغرة. كولمان سبق له أن شاهد هذا الفيلم الذي يصور عملية ذبح أحد عملاء ال سي آي أيه في العراق أواسط عام 2004. لكن من أين وكيف وصل إلى هاتفه اليدوي ؟ كولمان لايعرف وليس لديه جواب على ذلك: "مع هكذا أنباء مصورة بالفيديو ومباشرة على التلفون إخترق أبو مصعب الزرقاوي آخر حدود حرب الدعاية" يقول كولمان ويضيف: "بهذا يستطيع الآن أن يصل إلى أيٍّ كان، في أي وقت وفي أي مكان من العالم"

إيفان كولمان البالغ من العمر 26 عاماً يجلس في شقة مليئة بالحواسيب وسط مانهاتن. "في الجبهة" كما يقول. ميدانه الحربي ساحة الإنترنت. يعمل على مدار الساعة وطوال أيام الإسبوع ولايقطع عمله سوى بضع ساعات للنوم. يتابع العشرات من المواقع التي لها علاقة بتنظيم القاعدة. كولمان من نوع التحري الخاص، يمشط الإنترنت بحثاً عن أية آثار جديدة لأبن لادن والزرقاوي وأعوانهما. صفته الرسمية "خبير في شؤؤون الإرهاب" ولديه مكتب معلومات خاص لللإنذار العالمي من الإرهاب، يعمل معه موظفان ويؤكد على أنه "مستقل"
"أحياناً يتصلون بي من السي آي أيه أو البنتاغون ويسألونني عن رأيي"

زملاؤه في المهنة يسمونه الطفل المعجزة والفتى المحنك. في السادسة عشرة من عمره تعلم العربية، في الثامنة عشرة درس شبكة إبن لادن، وفي الثالثة والعشرين أصدر كتاباً بعنوان "جهاد القاعدة في أوروبا"
"مرجع" يقول عن الكتاب ريتشارد كلارك المديرالأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب.

فتح كولمان مكبر الصوت وقال: هذا هو فيلم "كل الدين سيكون لله"
الفيلم عبارة عن 46 دقيقة من الدعاية الحربية، وهو منتج بطريقة مهنية ومدعم بالأناشيد الحربية.
"هؤلاء هم" قال كولمان
مجموعة من الفتيان يجلسون باسترخاء في غرفة، يمزحون ويضحكون، هؤلاء هم المقاتلون الوحيدون الذين يظهرون في الفيديو بدون قناع.
"إنتحاريون في مرحلة التدريب" قال كولمان
إنهم يضحكون رغم معرفتهم بأنهم ذاهبون إلى الموت
"يحبون الموت كما يحب خصومهم الحياة، وهذا هو سر قوة الزرقاوي" أضاف كولمان
مئات المتطوعين يقفون إلى جانب الزرقاوي وهم يومياً يزدادون عدداً
"والسبب يكمن هنا، في شبكة الإنترنت" يقول كولمان
القاعدة هي أول منظمة إرهابية توسع الصراع من الأرض إلى الأنترنت، وفي القمة يقف أبو مصعب الزرقاوي. الجنود الذين يرسلهم إلى ساحات المعارك الرقمية شباب، قلة منهم تحت العشرين، وبينما كان آباؤهم في إفغانستان، كانوا هم يجلسون في مقاهي الأنترنت، وبدلاً من البنادق يحملون الحواسيب والكاميرات اليدوية وغيرذلك. من النادر أن يقع هجوم كبير دون أن يجري تصويره، بعده بوقت قصير تجد عنه "تقريرا صحفياً" في الشبكة الدولية. يهرولون فوراً إلى أحد الحواسيب ليرسلونه إلى واحدة من عشرات المواقع المؤيدة لهم:
"بالنسبة لشريط مدته 15 ثانية لايحتاج الأمر أكثر من نصف ساعة" يقول كولمان
كولمان يقارن أشرطة الزرقاوي مع أفلام الدعاية التي ينتجها الجيش الأمريكي ويجوب فيها ضباط التجنيد المدارس الثانوية والكليات. هنا كما هناك يجري تمجيد الحرب على إنها بطولة وخدمة للامة. الأمريكيون مع حاملات الطائرات التي تبحر وقت المغيب بخطط حربية جريئة وضباط يعتليهم الفخر وهم يرتدون أحذية عسكرية لامعة وبدلات رسمية منشّاة، وفدائيو الزرقاوي يحلقون بعيداً في الفضاء ترافقهم الأناشيد الحربية وآيات قرآنية تتلى بصوت متهدج عميق.
جزء من مواد الدعاية يجري إنتاجه في المملكة العربية السعودية، ولكن المنتجين ومديري المواقع على الإنترنيت لاتقف أمامهم حدود جغرافية. باستطاعتهم أن يكونوا في الشرق الأوسط، في أوروبا أو في آسيا. ولكن "المهزلة في الواقع" كما يقول كولمان هي أن " أجهزة خدمة المواقع الإرهابية على الإنترنت (السرفر) موجودة عندنا في أمريكا، في شمال كيرولاينا مثلاً"
يضيف كولمان: "المجتمع الغربي مازال بعيداً عن إدراك حقيقة الظاهرة، هنالك ثلاثة موانع قوية يجب التغلب عليها قبل كل شيء، أولاً توفر المواد الدعائية كلها بالعربية، وهي لغة بالكاد تجد هنا من يفهمها، وثانياً فإن المجتمع الغربي لايفهم عقلية وثقافة الإسلاميين، أما ثالثاً، وتلك هي مأساة حقيقية، فهو وجود قلة من الخبراء الذين يسيطرون على تقنيات الأنترنت، بالطبع هناك الكثير من الشباب الأذكياء الخبيرين بهذه التقنيات، ولكن الحكومة الأمريكية تفتقر إلى مثل هؤلاء"
كما هو غالباً في حياته تعلم الزرقاوي بسرعة، وخلال أشهر معدودة تحول من مقاتل حرب عصابات مجهول إلى مقاتل ماهر على جبهة الإنترنت. كانت البداية في الحادي عشر من نيسان 2004 عندما أمكن مشاهدة أول شريط فيديو على الشبكة الدولية يحمل توقيع الزرقاوي. كان عنوان الفلم "أبطال الفلوجة" وشوهد فيه عدة رجال بلثام أسود يزرعون عبوات ناسفة على حافات إحدى الطرق. بعد لحظات مرت عربة أمريكية من جانب العبوة فانفجرت فيها. في الخامس والعشرين من نيسان ذات العام جاء أول بيان بالإنترنت وفيه يعلن الزرقاوي مسؤوليته عن هجوم وقع في البصرة: "لقد صممنا على رفع راية الجهاد، سنحارب الصليبيين ونعذبهم والله أمام أعينكم"
ثم جاء في الحادي عشر من أيار الفلم الذي قطع أنفاس العالم: قطع رأس الأمريكي نيكولاس بيرغ. صدى ظهور الزرقاوي في الإنترنت كان ساحقاً، خلال الليل نسخ الفلم ونشر على مئات المواقع الأخرى في الشبكة الدولية. ثم عملية قطع رأس مصورة أخرى، والمقطوعة رأسه أمريكي أيضاً هو المهندس أرمسترونغ، فمدحت القيادة المركزية للقاعدة أبو مصعب الزرقاوي ووصفته بـ "شيخ الذباحين"
لقد تحقق الهدف الأساسي من ظهور الزرقاوي على الإنترنت: الأتصال.
واحد من أكثر الرجال المطلوبين في العالم، والذي لم يجر في حياته مقابلة مع صحافي، يقف الآن تحت الأضواء في مواقع الشبكة الدولية، وحده يملي.
بالمقارنة إلى هذا كانت الديموقراطيات الأوروبية الغربية تجد في محاربتها للمنظمات الإرهابية السابقة أمراً سهلاً، كانوا يجردونها من أسلحتها بمجرد أن يعيقوا رسائلها وبياناتها، في بريطانيا حجب صوت المسؤول السياسي في الجيش الجمهوري السري الأيرلندي جيري آدمز عن الأخبار بغية منعه من نشر عقيدته. في إيطاليا فرض المرء عزلة تامة على الألوية الحمراء، وذلك بمنع بياناتها من الوصول إلى الرأي العام عبر وسائل الإعلام.
ولكن الزرقاوي له مسرحه الخاص الذي يجهزه مثلما يشاء ويعرض عليه مايحب كيف ومع من يريد؛ الرهائن، الرئيس الأمريكي، الزعماء الأوروبيين وأكثر من مئة وخمسين ألفاً من القوات الدولية المتواجدة في العراق.
يلعب الزرقاوي دوره بمهارة فيمثل دور المنتقم للمظلومين الذي يتحدى قوة الولايات المتحدة ليحمي المسلمين: "أما أنت يابوش فواحد من كلاب الروم، توقع منا ماسيوجعك وانتظر أوقاتاً عصيبة" هكذا حذر واشنطن قبل أن يقطع رأس نيكولاس بيرغ، أما إعدام كين بيغلي، وهو مهندس بريطاني كهل، فقد صوره الزرقاوي على إنه رد بطولي على ما أشيع عن إعتقال وتعذيب النساء المسلمات والإساءة إليهن من قبل رجال غير مسلمين، سواء في العراق أو في أي مكان آخر من العالم. ذباح في صورة زورو.
أما أتباعه وأنصاره فلا يكتفون. في منتدياتهم على الإنترنت يطلبون المزيد من الأشرطة الفلمية الدموية فيلومون لأن "الفلم قصير جداً" ويسألون: "شيخ أبو مصعب، متى سيكون القادم؟"

"التطورات تتجاوزنا" يقول خبير الإرهاب كولمان ويضيف: "لانستطيع فعل شيء، حجب موقع ما على الإنترنت؟ في اليوم التالي يظهر إثنان تحت عناوين جديدة. هناك بين رجال الزرقاوي من يهتمون بهذا الأمر. عندما تمنع واحدة من صفحاتهم يرسلون الى الجميع خبراً وفيه عنوان بديل حيث يجد المرء ذات المحتوى ويستطيع بنفس الأسم ونفس كلمة المرور الدخول إلى الموقع الجديد. وعندما تكون لديهم مشكلة في تنزيل أحد الأفلام فهناك متخصص يسألونه، هذا المتخصص يسمي نفسه "الإرهابي 007" وعندما يسأله أحد يحيله فوراً إلى موقع آخر. لا أحد يعرف شيئأ عن هوية "الإرهابي 007" سوى أنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة ويتجول في فضاء الإنترنت وكأنه حديقته الخاصة. في إحدى المرات توغل في ملفات ولاية أركنساس، وخلال لحظات إستطاع أن يملأها بأفلام الفيديو التي تصور قطع الرؤوس، وهكذا أصبحت في متناول الجميع، جاهزة للتنزيل.
الشبكة الدولية ليست طريقاً باتجاه واحد، فالمواقع التي تناقش فيها العقيدة والإستراتيجية وآخر وأحدث الهجمات هي مواقع كثيرة الإرتياد جداً، ففي غرف المحادثة تتصل المجموعات ببعضها البعض. البرنامج الأكثر شهرة هو "البال تولك" الذي يقدم الخدمة مجاناً ويستطيع ربط العشرات من غرف المحادثة المنتشرة في أنحاء مختلفة من العالم. هنا تسمع المحاربين القدامى في إفغانستان وهم يقارنون بين تجاربهم في الجبهة والأحداث الجديدة في العراق وتسمع أقارب المتطوعين العرب وهم يتحدثون عن أبنائهم "الشهداء"، كما تسمع إسلاميين بريطانيين وهم يمتدحون "براعة ودهاء" أبو مصعب الزرقاوي.

الزرقاوي وأوروبا: ثلاثمئة "عروس" في ثلاثة أشهر

إنها ليست المرة الأولى التي يترك فيها الزرقاوي آثاره في أوروبا. في الثامن والعشرين من كانون الأول عام 2001 دق جرس الهاتف في شقة شادي عبدالله فابتهج شادي لسماعه صوت المتحدث الذي سأله بعد التحية: "هل من جديد؟"
"مثلما أراد ألله وجدنا عروساً من المغرب، وهي عروس جيدة جداً، أنا رأيتها بنفسي"
"ولكن لايجوز أن تراها أبداً" رد المتحدث، ممازحاً
"كيف؟" رد شادي مرتبكاً
"قلت لايجوز أن تنظر إليها، أليست عروسي؟"

شادي عبدالله، أردني، حارس شخصي سابق لأبن لادن وطالب لجوء في ألمانيا. المتحدث على الهاتف الذي جعل صوته شادي في حال من النشوة كان أبو مصعب الزرقاوي. نظام طالبان سقط، الزرقاوي هارب من إفغانستان ويتحدث الآن من مكان ما في إيران. بشكل يومي تقريباً كان يهاتف ألمانيا ويتحدث بالشفرة. "العروس" التي عثروا عليها في المغرب كانت تعني جواز سفر. الزرقاوي كان بحاجة إلى المزيد من "العرائس" لأتباعه. الإسلاميون في ألمانيا جمعوا خلال ثلاثة أشهر ثلاثمئة "عروس" وقاموا بتزويرها في ورشة تزوير في مدينة هورشولم الدنماركية.
لكنه من الواضح أن الأمر كان يتعلق بمزيد من المساعدة في شؤون السفر لأولئك الهائمين على وجوههم. في مكالماته تحدث الزرقاوي عن "الأقراص الزرقاء" "التفاح الروسي" "العسل" وعن "البنات الصغيرات"
في مكتب مكافحة الجريمة الألماني الأتحادي يسود التوتر. منذ أشهر كان يجري تسجيل المكالمات التي تجري بين الزرقاوي وزملائه في ألمانيا. لقد تبين أنهم ينتمون إلى جماعة التوحيد، ولكن ماذا كان يقصد بتلك الشفرة، لا أحد كان يعرف.
عندما توجه شادي عبدلله، بعد إحدى المكالمات الهاتفية مع الزرقاوي، إلى برلين، تصاعد التوتر، وقد أمكن تحديد مكان شادي بواسطة هاتفه اليدوي الذي كان يحمله: شارع فازانن
في ذلك الشارع يقع بيت الطائفة اليهودية. الإنذار إذاً في أعلى درجاته

في الأسابع التالية أصبح الزرقاوي في شمال العراق، ولكنه مازال في إتصال دائم مع خليته في ألمانيا. في الثاني من شهر نيسان 2002 إتصل بشادي مرة أخرى.
شادي: "مثلما أراد ألله، كل شئ تمام" ولكنه استدرك بأن بعض الأمور تحتاج إلى تنظيم وأضاف: "لم يجر الأمر مثلما أراد البعض، نحن نطلب أشياء مثل الفواكه أوما شابه وهم يطلبون أسعاراً عالية أو يجعلونني أنتظر طويلاً"
الزرقاوي صائحاً: "إسمع، إسمع، لايهمك أمر الأسعار إذا كانت رخيصة أو غالية"
شادي: "لقد حصلنا على بعض الأشياء ولكننا لم نحصل حتى الآن على الخرساء، نحن نحتاج إليها، هل تفهمني، لقد جلبوا لي واحدة ولكن هذه تخلق مشاكل، نريد الثانية"
الزرقاوي: لماذا لم تبق لتأخذ الحبة السوداء"
شادي: "لقد فكرنا بذلك ولكن الدواء الذي يستخدم معها، وأقصد العسل، لم يكن متوفراً"
الزرقاوي بنفاذ صبر: "بسيطة جداً، بسيطة جداً، بسيطة، إسمع إسمع ،أنتم يجب أن تتمسكوا بالله في هذه الأوقات، أقولها لك بصدق"
شادي: "نحن نبذل جهدنا، والله نبذل كل جهدنا"
أخيراً سأل الزرقاوي فيما إذا كان شادي "لايريد أن ينجز الأمر لوحده" فأجاب شادي: "مثلما يريد الله، الآن فهمت"
وختم الزرقاوي: "هذه فرصة كبيرة، فرصة كبيرة"

حيرة وقلق في أوساط مكتب مكافحة الجريمة. الشدة التي طلب فيها الزرقاوي إنجاز العمل القادم أقلقت الموظفين. من المكالمات التي جرى التنصت إليها أستطاعوا أن يستنتجوا أن عملا ما خطط له أن يقع في الثالث والعشرين من نيسان، فجرى إعتقال سبعة أشخاص في حملة على مستوى كل الولايات، في مقدمة هؤلاء كان شادي عبدالله.
شادي إعترف. الحارس الشخصي السابق لأبن لادن هو المصدر الذي كان المحققون يحلمون به، وسيصبح أهم الشهود. الإستجوابات أدت إلى الإستنتاج بأن خلية التوحيد الألمانية، التي شكلت لتقديم الدعم والإمداد، آخذة بالتحول خطوة خطوة إلى خلية عمليات.
إفادات شادي عبدلله أعطت المحققين صورة عن شبكة الزرقاوي في أوروبا. في ألمانيا تمتد الشبكة من فيسبادن إلى برلين، هامبورغ وميونيخ. في بريطانيا وفي التشيك لديهم عناصر إرهابية مستعدة للمساعدة.
المجموعة في ألمانيا كانت تمرر عبر شركات تجارية أو عبر منظمات غير حكومية أموالاً إلى إفغانستان وبعدها إلى الزرقاوي في إيران.
خيوط الشبكة تمتد أيضاً إلى أنحاء أخرى من أوروبا: في إيطاليا، إسبانيا، بريطانيا وفرنسا جرى تفكيك خلايا ترتبط بالزرقاوي. في لندن جرى إعتقال شخص مهم: أبو قتادة القائد الروحي لجماعة التوحيد والذي كان يسميه المحققون غالباً "ممثل إبن لادن في أوروبا"

قبل أن يصبح الزرقاوي معروفاً على الساحة العراقية بوقت طويل كان يخضع لمتابعة التحريات الأوروبية، ولكنه شكل لها لغزاً. إنه "حصان أسود" كما أطلق عليه أحد المحققين. الشائعات قالت إن الزرقاوي كان لديه مختبر للأسلحة الكيمياوية داخل معسكر التدريب في حيرات. في دوائر الإستخبارات الأوروبية يدور الخوف من إمكانية أن يتسنى للزرقاوي القيام بضربة قوية تكون عبارة عن هجوم بأسلحة كيمياوية. في كانون الثاني 2003 جرى في إسبانيا، فرنسا وبريطانيا إعتقال العشرات من العرب بتهمة حيازة مادة الريسين وتركيب أسلحة كيمياوية أخرى.
وزير الخارجية الأمريكية آنذاك كولن باول جزم بأن مادة الريسين التي عثر عليها في أوروبا قد جاءت من العراق. جاء ذلك خلال ظهوره المزري أمام الجمعية العمومية للامم المتحدة في شباط 2003 والذي وضع فيه حجر الأساس لغزو العراق: "عندما قام تحالفنا بطرد طالبان، قامت شبكة الزرقاوي ببناء معسكر آخر للتدريب على المواد المتفجرة والسامة، وهذا المعسكر موجود في شمال شرق العراق" وقد عرض باول في قاعة إجتماعات الأمم المتحدة صوراً جوية لما قال إنه مختبر.
بعد كلمة كولن باول في الأمم المتحدة أصبح الزرقاوي معروفاً في كل انحاء العالم
"إنه ضابط الإرتباط بين صدام حسين وأسامة بن لادن" إدعى وزير الخارجية الأمريكي.
الكثير من أعضاء الأستخبارات الأوروبية الذين تابعوا آثار الزرقاوي منذ فترة طويلة قابلوا إدعاءات كولن باول بالشك:
"لم نستطع التثبت من هذه الملاحظات" كتب أحد موظفي المكتب الألماني لمكافحة الجريمة في ملف تحرياته. أما رسمياً فلم يقل ذلك أحد.
فجأة رأى العالم بالزرقاوي سيد الإرهابيين، فصار اسمه يطفو على السطح كلما ألقي القبض على خلية إرهابية حتى وإن كانت إرتباطاتها به غير مؤكدة. عندما فجرت قطارات مدريد في آذار 2004 إفترض قاضي التحقيق أن الزرقاوي هو المدبر، لكن الأدلة غير متوافرة والمؤشرات ضعيفة.
إختلطت الحقائق بالأوهام، فكبر الزرقاوي وصار أسطورة، مرة قيل أنه شوهد في وادي بانكيسي في جورجيا، ثم قيل أنه متوجه إلى أوروبا، ثم قيل إلى سوريا،وإيران، والأردن، وقيل أنه منذ زمن كان ناشطاً يتمتع بحماية صدام حسين.
في أي مجال كان ناشطاً؟ لا أحد يعرف. وحسب وزير الخارجية الأمريكي فإن الزرقاوي فقد إحدى قدميه وإنه يعالج في إحدى مستشفيات صدام حسين. العالم يتكهن، كم من الأقدام له الآن؟
"ليست أكثر من ثلاثة ولا أقل من لاشئ، ربما" قال أحد الصحفيين مازحاً.
من لا يستطيع الأطلاع على ملفات المخابرات يفقد الرؤية سريعا.، وحتى المحققين الأوروبيين كانوا يرون في محاولاتهم لتتبع شبكة الزرقاوي وخططه للقيام بضربات كيمياوية كـ "بحث في الضباب" كما قال أحدهم.
لقد ثبت بأنه لو لا غزو العراق لما صعد الزرقاوي إلى رأس قائمة الأرهابيين المطلوبين عالمياً، كولن باول هو أول من جعل ذلك ممكنا عندما صاغه وصيره النجم الأكثر إلتماعاً في قبة سماء الأرهابيين، ثم الحرب وسوء إدارة الأمريكيين للعراق المحرر. هذه العوامل أعطت للزرقاوي الأرضية التي يعزز عليها مواقعه الآن.
بعد سنتين من غزو العراق تنفس الأوربيون الصعداء. لقد ثبت أن الأنذار من الخطر الكيمياوي كان إنذاراً خاطئاً. في إسبانيا أطلق سراح الذين جرى الأشتباه بهم. المواد السامة المزعومة تبين أنها مواد غسيل ومواد لقصر الألوان. في فرنسا أسقطت الدعوى عندما تبين أن مادة "الريسين" ليست سوى بذور قمح. وفي لندن تأكدت المحكمة المختصة بأن المواد التي أشتبه فيها قد جرى التلاعب بها. الحكومة اعتذرت وعزت الأمر إلى خطأ وقع فيه أحد الموظفين.
في هذه الأثناء لم يتم درء خطر الزرقاوي ، فقد أوقدته حرب العراق بشكل حقيقي. في صيف عام 2003 كانت المخابرات الأردنية ومعها مخابرات الدول الغربية تراقب متفرجة كيف كان أتباع الزرقاوي ينتقلون من أوروبا وعبر أوروبا إلى طهران ثم يدخلون من هناك إلى العراق كي يشاركوا في القتال. لكن ذلك لم يكن طريقاً باتجاه واحد كما ثبت فيما بعد. لقد عاد الكثيرون منهم إلى أوروبا.

"المقاومة في العراق خلقت نوعاً جديداً من الميليشيات الإسلامية" هذه النتيجة توصلت إليها دراسة سرية أمريكية وصلت، بفعل حماقة، إلى الرأي العام في السنه الماضية.
"إن مقدراتهم أخطر من مقدرات أولئك المحاربين القدامى في إفغانستان ثمانينيات القرن الماضي" "المقاتلون الذين نجوا من الحرب في إفغانستان سيغادرون العراق وهم أفضل تدريباً" يقول مدير السي آي أيه بورتر جوس ويضيف: "إن الخطر سيكبر حالما سيغادر هؤلاء العراق إلى بلدانهم العربية أو يعودون إلى أوروبا، حيث الكثير منهم عاش في المهجر الأوروبي أو نشأ فيه منذ طفولته كإبن لمهاجر"
أكثر من مرة يضع الزرقاوي أجهزة المخابرات الأوروبية في حالة توتر، تحاول الأجهزة أن تعرف بشكل دقيق كم من المسلمين يتأثرون بدعاية الزرقاوي، من منهم سقط في العراق ومن منهم في طريق عودته إلى أوروبا. في فرنسا تمكنوا من إحصاء عشرين مسافراً إلى العراق، ويرجح المرء أن نصفهم قتلوا هناك.
على الصعيد الأوروبي عامة يقال أن حوالي مئتين من الشباب المسلم توجهوا إلى العراق. ووفقاً لمعلومات خبراء الإرهاب فإن الزرقاوي أقام في بريطانيا شبكة تجنيد.
"مجموعة أنصار الفتح في بريطانيا قدمت للمتطوعين مساعدات وجندت أعضاء جدد من خلال الأنترنت" يقول الخبراء ويؤكدون أنه " خلال عامين سافر من بريطانيا وحدها سبعين رجلاً لينخرطوا في القتال الدائر هناك، بعضهم عاد وهو مدرب تدريباً عالياً"
العدد ليس كبيراً، ولكن يكفي أن واحداً منهم يبني خلية محلية ويحاول نقل الصنعة التي تعلمها في العراق إلى الأرض الأوروبية.
ولكن ماهي خطط الزرقاوي نفسه؟ هل سينقل إرهابه إلى الأردن، سوريا أو إسرائيل؟
الزرقاوي من النادر أن يكشف أوراقه وعلينا أن نقرأ خططه من خلال أفعاله.

*******

في التاسع والعشرين من شباط 2004 توفيت والدته أم صايل
"كوني صبورة، والدتي العزيزة" كتب لها من السجن قبل بضع سنين "إذا لم نتمكن من رؤية بعضنا في الحياة، فسيكون ذلك في الآخرة"
كانت أسابيع مرت على دفنها عندما وصل أزقة الزرقاء شبح إمرأة مجللة بالسواد، إخترق الأزقة وإختفى هناك، في مدرسة للقرآن، ليلة، ليلتان، ثلاثة، لكنه لم يذهب لزيارة المقبرة ولا حتى لزيارة زوجته وأطفاله، مرة أخرى جلس وحيداً في مأواه ، ولكن في مدينته الزرقاء، ثم عاد أدراجه إلى الجبهة. بعد شهر من ذلك اختفت عائلته من المدينة، قيل أنها وصلت إليه في العراق.

*******

في رسالة إلى إبن لادن كتب يقول: "إذا انهزم الجهاد في العراق، فإن الخلافة لن تقوم أبداً، وستخنق أمتنا ويهان شعبنا وعلينا أن نتحمل العواقب إلى الأبد"
كل شيئ يشير إلى أن الزرقاوي يريد السيطرة على القرار في العراق. وفقاً لبياناته العديدة فإنه يعمل جاهداً على جذب الشيعة إلى حرب أهلية ويعمل بكل ما أوتي من قوة على إفشال أي نظام يكون فيه لهم غالبية، ولكن حتى لو بلغ هدفه بجعل العراق في حالة فوضى فإنه سوف لا يصل إلى هدفه البعيد في إقامة الخلافة، ففي هذا البلد، حيث يشكل الشيعة ستين بالمئة من نسبة السكان، يفتقر هدفه إلى الأكثرية السكانية المطلوبة. وهنا سوف لن يبقى لحلمه شيء. إمارة في أجزاء من الحزام السني؟ ربما، أكثر من ذلك لن يبلغ.
لكن الزرقاوي بلغ أهم أهدافه القريبة، ألا وهو قدرته على التأثير. التأثير على ميدان القتال وعلى المجال الديني. الكثير من المتشددين الإسلاميين في العراق يتبعون أفعاله ونشاطاته، فهو بالنسبة للمقاتلين قائد قدوة. قطع الرؤوس في إفغانستان وفي تايلاند هو من دون شك تقليد لنشاطاته. أما بالنسبة للقادة الروحيين المتشددين فهو ذلك الرجل الذي واصل حمل روح "الجهاد" التي كان يجسدها إبن لادن إلى حين.

الزرقاوي على عكس إبن لادن، ليس إبناً لعائلة ثرية، ليس لديه مؤهلات علمية عالية، فظ، نزق، غير أنه من الممكن أن يتجاوز إبن لادن في وقت قصير. بالعنف وكذلك بغريزته الحادة للدعاية.
هل سيكون خليفة لأبن لادن؟
في الوقت الحاضر يبدوان أنهما يكملان بعضاً، إبن لادن قائد روحي يهتم بالأمور الإستراتيجية العالمية، والزرقاوي جنرال في الجبهة، ولكن الزرقاوي العنيد قد يغامر في صراع على السلطة.
حركية الثورات تميل دائماً باتجاه الأجنحة المتشددة؛ لذلك كان اليعاقبة (في الثورة الفرنسية- المترجم) بدلاً من الجيرونديين، وكان البلاشفة (في الثورة الروسية- المترجم) بدلاً من المناشفة. على هذا المنوال يمكن أن يكون الزرقاوي رجل المستقبل.



الأهالي العراقية - العدد 171- 05.07.2006

 

 

 

 

Home  
About him  
Declaration  
Translation  
Articles  
Poetry  
Drama  
New  
contact  
   
   
 

 

 

 

 

 
 

Copyright©2009-2015 all rights reserved. Designed and created by Jawad El-Saidi