Translations

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

أبومصعب الزرقاوي: الصعود السريع إلى قمة الإرهاب

الحلـــقة الثانية

تحقيق : أورس غيْـرغر Urs Gehriger
مروان شحادة*
ترجمة : جواد الساعدي
عن : فيلت فوخة – أسبوع العالم السويسرية

شباب كثر يسافرون إلى العراق، لكن أمير القاعدة يفضل من بينهم فقط الأكثر تدينا الذين ينبغي أن لايهابوا الموت ولا التعذيب

*******

طبع أبو أسامة السوداني في الكومبيوتر كل ماكان ينبغي أن يقوله وانتظر حتى وجدت رسالته الألكترونية طريقها في الشبكة الدولية، وما كادت تختفي في الأثير حتى أخذ طريقه إلى خزانة الملابس عبر الممر الفاصل مروراً بغرفة نوم الأطفال ثم الى خارج البيت عبر البوابة حيث اختفت آثاره في عتمة الليل. رغم ذلك لم تفطن زوجته إلى شيء من هذا، وعندما استفاقت في صباح اليوم التالي إتصلت يائسة بكل الأقارب والأصدقاء، وأخيراً أبلغت البوليس، لكن أبو أسامة بقي مفقوداً.
بعد شهرين من ذلك رن الهاتف: "زوجك قتل في العراق" قال المتكلم المجهول.
"في العراق؟ قتل؟"
"نعم، إنه شهيد"
في الأيام التالية ورد الكثير من المكالمات الهاتفية، نساء يعبرن عن سعادتهن ويزجين التهاني والتبريكات لزوجة أبو أسامة.
بدأت المرأة التحري عن الأمر: زوجها، الذي كان طالباً في جامعة جدة، كان أيضاً زائراً منتظماً لـ "منتدى الأنصار" على الأنترنت، وهو الموقع الأكثر قرباً من جماعة الأرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي. وفي كل مرة تنشر فيها الجماعة نبأً عن إعتداءاتها على الموقع يكتب أبو أسامه تعليقه المقتضب في المنتدى: "ألف مبروك"
باستمرار كان يشاهد نفس الفيلم ويراقب كيف كان الزرقاوي يستل سكينه، وعلى مدى دقيقة كاملة يحز رقبة نيكولاس بيرغ، ثم يتابع بكل حواسه، مشدوهاً، كيف تتكور وتستدير عيون الأمريكي بينما يد القاتل ترفع الرأس في الهواء.
في آخر مرة زار فيها أبوأسامة المنتدى كتب: "لقد رأيت مايكفي، سأحمل روحي إليك أيها الشيخ"
آلاف الكيلومترات بين الكومبيوتر في جدة والحفرة التي خلفتها القنبلة في بعقوبة، حيث فجر أبو أسامة نفسه بمجموعة من الشرطة العراقية، رحلة طويلة تمر بطرق متعرجة وموانع كثيرة. المئات قطعوا الطريق ليفجروا أنفسهم هناك؛ سعوديون، كويتيون، أردنيون.....وسودانيون.

*******
"شيخ عبد الرحمن، كيف سافر إخوانك إلى العراق؟"
"يوجد طرق عديدة"
"ماهو أفضل طريق؟"
"من يبحث عنه يجده"
نحن في البقعة، مخيم للاجئين الفلسطينيين يقع على بعد 20 كيلومتراً شمال العاصمة الأردنية عمان. شيخ عبد الرحمن أمير خلية إرهابية محلية ويمثل الزرقاوي في المخيم.
"كان سؤالي ماهو أفضل طريق إلى العراق؟
"لا أحد يجب أن يقوم برحلة طويلة كهذه. الزرقاوي لديه مايكفي من الناس"
"شيخ عبد الرحمن، كيف يصبح المرء عضواً في مجموعتكم؟"
"الله يفتح الطريق أمام الشجعان"
كل محادثة مع رجال الزرقاوي تبدأ هكذا، دقائق عديدة من الإستعدادات والمناورات، جس نبض، تلميحات، تهرب وتغيير في مجرى الحديث. أكثر من عشرين مقابلة أجريناها مع أعضاء في شبكة الزرقاوي، غالبيتهم في الأردن ، مسقط رأس الزرقاوي وحيث أكثرية أنصاره.

إجراءات التجنيد تتضمن مراحل عديدة: بعد التعارف والتقارب في دائرة المعارف أو في المسجد يجري إلحاق المترشح بحلقة دراسية يلقن فيها عقيدة الجماعة وتوجهاتها السياسية والإجتماعية. بعد ذلك يجري قبوله في المنظمة بصفة مؤقتة، وتعد الإقامة في السجن إختباراً حقيقياً للمترشح. شبكة الزرقاوي تخضع لمراقبة دائمة في الأردن، وباستمرار يلقى القبض على أعضائها ويسجنون، لكن في الغالب لاتوجد أدلة ملموسة ضدهم فيطلق سراحهم بعد أسابيع أو أشهر، ومن يبقى أمينا لمبادئ الجماعة أثناء التحقيق الذي يترافق دائماً مع التعذيب، يكون قد قدم برهانا قوياً على الثقة به.
بعد ذلك يكلف العضو بأولى المهام في خلية إرهابية. هذه المهام في العادة تتناسب مع قدراته الروحية والمادية وغالباً ماتكون عبارة عن أعمال تدعم وتقوي الشبكة أو تقدم الدعم اللوجستي للمقاتلين على جبهة العراق. من يبرهن على نفسه في هذه المرحلة يتأهل إلى مهمات أعلى ويمكن أن يصبح أميراً أو قائداً لخلية.
من يرغب بالذهاب إلى الجبهة يحتاج حتماً إلى تزكية إثنين على الأقل من الأعضاء الذين مرت على عضويتهم في جماعة الزرقاوي سنوات طويلة، هؤلاء عليهم أن يضمنوا جدية المترشح ومقدرته وأمانته. وليس من النادر أن يتوجه بعض الشباب إلى العراق دون أن يحملوا توصية من أحد، وتلك مغامرة نهايتها بالنسبة للمتطوعين الراغبين بالقتال غالباً ماتكون مأساوية، فإما أن يلقى القبض عليهم في الطريق أو لاتجد الجماعة الإرهابية في العراق أنهم أهل للثقة فترسلهم، دون أن يعلموا، في عملية إنتحارية.
من يريد رغم المخاطرة أن يحاول الذهاب إلى هناك بالأعتماد على ذاته يجد في الأنترنيت ما يساعده على ذلك،. على سبيل المثال توجيهات "الدكتور الأسلامي"، كما يسمي نفسه كاتب إرشادات السفر إلى العراق المؤلفة من أربع صفحات والمنشورة على أحد المواقع المقربة من تنظيم القاعدة.
"الدكتور" يحذر بأن الطريق ليست مفروشة بالورد وينصح بالتوجه إلى الدعاة والمرشدين "الموجودين في الكثير من الدول العربية" والمقصود بذلك أئمة الجوامع التي تستقطب المتطرفين الذين حسب "الدكتور" يزودون "أغرار الجهاد" برقم هاتفي خاص قبل أن يسلكوا طريقهم إلى العراق. هذا الطريق يمر في العادة عبر سوريا، عقدة التواصل في "السياحة الأرهابية" ومن هناك إلى إقليم الأنبار المقاوم في شمال غرب العراق.
"إلبس سروالاً من الجينز وإحمل بيدك مذياعاً صغيراً (ووكمن) ، قص لحيتك واحمل في يدك صنارة لصيد الأسماك" ينصح "الدكتور" الذاهبين إلى العراق بينما يحذرهم دليل إرهاب آخر: "لاتثق بأي إمام فكلهم مخبرون يعملون مع الحكومات"

يشكل مقاتلو الزرقاوي الدوليون صفوة المقاومة في العراق بالرغم من عددهم القليل نسبياً والذي يقدر ببضعة آلاف أو مايعادل من خمسة إلى عشرة بالمئة من أعداد المقاومين. مايميزهم هو العمليات الإنتحارية المذهلة التي تصدم وتؤدي إلى حمامات دم تهدف إلى أكبر تأثير دعائي.
يقع مهد المقاومة في وسط العراق حيث موطن السنة الذين يشكلون عشرين بالمئة من عدد السكان وكانوا في ظل نظام صدام حسين ينتمون الى الفئة التي تتمتع بالإمتيازات. وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة إتجاهات: البعثيون السابقون الذين يسعون إلى إعادة الدكتاتورية العربية الأشتراكية، القوميون الذين يريدون أمة عربية قوية تحت قيادة السنة والأسلاميون الذين يكافحون من أجل إقامة دولة إسلامية. هذه الإتجاهات أهدافها مختلفة ولكنها تخوض الآن معركة واحدة. القاسم المشترك الذي يجمعها هو إخراج القوات الغربية وإسقاط الحكومة الشيعية.


خطف المقاومة

بالرغم من أن صدام حسين إتخذ منذ حرب الخليج عام 19991 إجراءات تحضيرية لحرب عصابات، بحيث درب مجموعات خاصة وأقام ترسانة ضخمة من الأسلحة المعدة لهذا الغرض، إلا أن الزرقاوي إستطاع بقوة صغيرة أن "يخطف المقاومة" وذلك كما أوضح أحد ضباط المخابرات العسكرية الأمريكية قبل فترة وجيزة وأضاف بأن "الزرقاوي لم يكن مجرد الوجه المظلم لشبكة إرهاب دموية، بل حل محل أنصار صدام حسين كقوة دافعة للمقاومة"
من حوالي سبعين عملية يوميا، فإن العمليات الأكثر إثارة والأكثر دموية تسجل في سجل الزرقاوي. إن الصورة المرعبة لمقاتلي القاعدة وسط واحد من أكبر خزاناتها في العالم، والتي سعت واشنطن لمنعها عبر الحرب، هي الآن حقيقة واقعة – كنتيجة للحرب.
لقد وضع الزرقاوي حجر الأساس لهذا الصعود في تشرين الثاني 2004 عندما إنضم إلى إبن لادن وقاد حركته رسمياً تحت سقف القاعدة. في كانون الأول أعلن إبن لادن على الملأ بأن الزرقاوي "أمير القاعدة في العراق" المراقبون من جهتهم قيموا ذلك على أنه مؤشر على ضعف الزرقاوي، لكن المظهر كان خادعاً فأول المستفيدين من هذا الأرتباط كان تنظيم الزرقاوي بالذات. فوفقاً لللأستخبارات الأمريكية تلقى التنظيم بعد الأندماج كميات هائلة من الأموال أتت في معظمها من متبرعين سعوديين ومن جمعيات خيرية.

القفز من سيارة مسرعة

لايظهر الزرقاوي على أحد إلا بعد حلول الظلام، ويختفي بمجرد بزوغ الفجر. معه باستمرار رجلان أحدهما يقود السيارة والثاني يقوم بمهمة الحراسة الشخصية، لا أكثر من ذلك. وقت ومكان اللقاء يتم تبليغهما للمعنيين عبر رسل، ولا إتصالات تلفونية. أعضاء مجلس الشورى، وهو المجلس الأعلى للإرهابيين، ينتظرونه بصبر. بعض الأحيان يدوم الإنتظار ساعات طويلة حتى يصل أخيراً.
الباب ينفتح فجأة، وبخطوات وئيدة يقطع المكان جيئة وذهاباً ويدخل مباشرة في الحديث: أين إمدادات الرمادي؟ متى تبدأ عملية "الأسد الأسود"...الخ. صوته حاسم. واحد من هنا يثني عليه وآخر من هناك يلقي عليه اللوم، أماهو فيوزع الأموال. ممثل الموصل يتلقى ألفي دولار لشراء صهريج، الأخ في القائم يتلقى بضعة آلاف لأستئجار مستودع يريد تحويله إلى مصنع سلاح. هكذا تتصور المخابرات الأمريكية في العراق تحركات الأرهابي المطلوب. يسمونه "الشبح" لأنه دائماً يختفي عندما يحضرون إلى المكان الذي يتواجد فيه. الحكومة الأمريكية كلفت قوة خاصة للبحث عنه: الوحدة الخاصة 626
هذه الوحدة الخاصة مكلفة بمهمة من أكثر المهمات التي يتصورها الأنسان كراهية، فمجرد خطأ يمكن أن يودي بصاحبه إلى الهلاك، أو قد يكون ذلك على يد خائن.
منذ فترة طويلة بدا كما لو أن الأمريكيين قد تغلغلوا بواسطة مخبر إلى الدائرة الضيقة المحيطة بالزرقاوي، ففي العشرين من شهر شباط 2005 تلقى الأمريكيون إشارة تفيد بأن الزرقاوي في طريقه إلى الرمادي. وعلى الفور باشرت الوحدة الخاصة 626 بإقامة الحواجز على الطرق وأطلقت فوق المدينة طائرات إستطلاع صغيرة جداً تسمى الواحدة منها "يعسوب"
على إحدى الحواجز تحفز الأمريكيون وشنوا هجوماً على سيارة مشبوهة، لكنهم لم يجدوا فيها أثراً للزرقاوي. في هذه الأثناء وقبل الحاجز بحوالي 800 متر إستدارت سيارة "بيك أب" وانطلقت هاربة. الوساوس ركبت الأمريكيين فقام جنود الوحدة الخاصة بمطاردة "البيك أب" واستطاعوا بعد فترة وجيزة اللحاق بها ثم إيقافها، ولكن لا أثر للزرقاوي أيضاً.
في تلك "البيك أب" كان يجلس شيخ الأرهاب الذي أرسل السيارة الأولى أمامه ليستدل بها على أي خطر محتمل، لكنه ترجل منها متدحرجا وهي مسرعة تحت إحدى الجسور ليختفي في إحد البيوت القريبة. هذا ما أوضحه السائق لدى إستجوابه.
لدى ترجله ترك الزرقاوي حاسوبه اليدوي في السيارة، وبناءً على المعلومات التي حفظت فيه أمكن إلقاء القبض على مجموعة من أتباعه. التحقيقات التي أجريت مع المعتقلين كشفت الخطوط العامة لشبكة الزرقاوي. مجال العمل الرئيسي بين بغداد، الرمادي وسامراء جرى تقسيمه إلى تسع مناطق قيادة وعمليات. كل منطقة يتم قيادتها من قبل أمير يعمل إلى حد بعيد بشكل مستقل. وعندما يعتقل أي أمير يقوم الزرقاوي بتعيين غيره دون إبطاء، وهكذا تبقى المنظمة نشطة على الدوام.
وما يلفت النظر فإن العديد من القادة الجدد يحملون لقب "العراقي" مما يؤشر إلى أن الزرقاوي يرفد طاقمه القيادي بقوى محلية وإن منظمته أخذت ترسخ أقدامها في العراق.
من يختفي وراء هذه الأسماء الحركية، لا أحد يعرف. فليس هناك من لديه نظرة شاملة على هذه المنظمة ولا من يملك أية فكرة عن حياتها الداخلية.

تفجيرات في المنطقة الخضراء

من يحاول النفاذ إلى دائرة الزرقاوي الخاصة يصطدم سريعاً بجدران مغلقة، وغالباً ما تقود المسالك إلى لاشئ، ولكن الصدف تساعد على التقدم أحياناً.
بدايات العام 2005 وفي مستشفى يقع شمال بغداد يرقد مهند البالغ من العمر 28 عاماً، وهو تاجر كومبيوتر من بغداد كان مضى على وجوده هنا ثلاثة أشهر. لم يكن مهند سوى كائن ملفوف بالضمادات ولا ترى سوى عينيه من تحت الغطاء: " كان ذلك بعد ظهيرة يوم الإثنين في الرابع من تشرين الثاني 2004" يروي مهند ويقول: "كان لدي ثلاثة أمريكيين في المحل يريدون شراء شاشة كومبيوتر" وبينما كان الأمريكيون يدفعون له النقود رأى مهند شخصاً عراقياً يدخل عليهم. لقد شاهد كيف أن الرجل مد يده إلى سترته. غير ذلك لا يتذكر شيئأ لأنه راح في غيبوبة.
لفت الهجوم أنظار المراقبين وكان محط إهتمام بالغ لأنه أول هجوم إنتحاري يقع في المنطقة الخضراء.
في أواسط أيلول 2005، وفي شقة تقع جنوب عمان، تواصلت القصة أمامنا دون مقدمات، ففي إطار تحقيقاتنا إلتقينا مع أبو ردينة الذي أراد أن يبقى مجهولاً فغطى وجهه خلال اللقاء بكوفية حمراء. أبوردينه يعيش في عالمين مختلفين، الأول هنا في الأردن الهادئ والثاني هناك في العراق حيث تندلع الحرب. وبفضل زواجه من عراقية يستطيع إجتياز الحدود بسهولة. أبوردينة إستغل هذه الميزة ليعمل مراسلاً لدى تنظيم الزرقاوي ويقوم بتهريب معدات الأسلحة إلى الأماكن المستهدفة. وفي مجرى حديثنا معه كشف لنا أبوردينه عن مكان عمله الرئيسي في العراق: المنطقة الخضراء في بغداد. ست مرات مر أبوردينه على الحواجز ذات الإجراءات الصارمة، وفي كل مرة كان يستطيع تمرير شيئ ما، أسلاك كهربائية، موصِّلات (قوابس) مواد لاصقة ومواد أخرى تستخدم في صنع المتفجرات.
"هل قلت المنطقة الخضراء؟"
"نعم، المنطقة الخضراء حيث قلب الإحتلال، لقد أردنا أن نلاقيهم هناك"
"وهل كنت في تشرين الأول الماضي هناك؟"
"في تشرين الأول وفي تشرين الثاني ومابعدهما، إجمالاً ست مرات"
"وفي الرابع من تشرين الأول 2004"
"لا أتذكر اليوم بالضبط، ولكن يمكن أن يكون ذلك التاريخ صحيحاً، يومها كانت لدينا هناك مهمة كبيرة"
في المحل، حيث وقع أول تفجير إنتحاري، لم يكن أبوردينه أبداً، كذلك فإنه لا يعرف المنفذ: "وظيفتي كانت توصيل الأسلاك وما شابه، البقية يؤديها آخرون" ونفى معرفته بأن أحد العراقيين كاد أن يقتل في الأنفجار وقال: "الموتى كانوا ثلاثة أمريكيين، هذا كل شيء"
عندما لاحظ أبو ردينة أن ضربتهم في أكتوبر معروفة لدينا بدأ يتحدث بصراحة عن مهمته، التفاصيل التي ساقها والتي تتطابق مع إفادات مقاتلين آخرين من القاعدة كنا أجرينا مقابلات معهم، تعطي فكرة جيدة عن طريقة العمل في شبكة الزرقاوي. فالمتطوعون بعد وصولهم إلى العراق يقضون معظم أوقاتهم في التدريب على مختلف أنواع الأسلحة. التدريبات تستمر لبضعة أسابيع، باستثناء الأنتحاريين الذين ينتهي تدريبهم في بضعة أيام. وبسبب كثافة الحضور العسكري الأمريكي فإن التدريبات لا تجرى في العراء، بل في شقق وبيوت سرية وفي بعض الملاجئ وحتى الإسطبلات. الخبرات الأكثر أهمية يكتسبها المقاتلون خلال إشتباكاتهم الأولى. يجري القتال في إطار خلايا تضم من خمسة الى عشرة رجال. المقاتلون الأجانب يقضون معظم أوقاتهم نهاراً في البيوت، أما المقاتلون العراقيون الذين ازداد عددهم بشكل كبير فيمارسون في النهار أشغالهم كالمعتاد.
مايمكن ملاحظته بوضوح في شبكة الزرقاوي هو أن الخلايا تعمل بشكل مستقل إلى حد كبير، وبهذا فهي تتميز عن منظمات المقاومة الأخرى التي تقاد بشكل قوي من المركز ولها بناء هرمي واضح يبدأ من قائد قوي على رأس الهرم نزولاً إلى مستويات مختلفة تصل إلى حد الجنود المشاة. مثل هذه المنظمات الهرمية يمكن تدميرها بسهولة، فبمجرد غياب أحد العناصر المهمة فإن جزءاً كبيراً من الشبكة يصاب بالشلل.
الزرقاوي يحاول أن يتجنب مثل هذه المخاطر، وذلك من خلال بناء منظمته بشكل أفقي، فكل خلية ترتبط مباشرة بقائد لواء وليس بين هذا وتلك أي مراتب وسطى، هكذا يمكن تقصير طرق الإتصالات وجعل المنظمة خفيفة الحركة. قادة الألوية يوفرون لخلاياهم الطعام والمأوى والأسلحة والذخائر وفقاً للحاجة. ومن حيث الواقع فإن الخلية تقوم بإمداد نفسها بنفسها، وبهذه الطريقة تتمتع الخلية إلى حد بعيد بحرية الحركة مما يجعل قائدها قادراً على دفع أعضائها الى أقصى عطاء.
"بين الخلايا يوجد تنافس حقيقي" يقول أحد رجال الزرقاوي ممن قاتلوا في بغداد وفي الفلوجة. إضافة إلى ذلك فإن بعض الخلايا تعمل بشكل حر تماما، خصوصاً خلايا التفجير الإرتجالي التي تصنع متفجراتها بنفسها لتزرعها على جوانب الطرق والممرات. بعض هذه الخلايا يقوم بالدعاية لصنعته المميتة من خلال الأنترنيت ويتلقى توجيهات من مجموعات كبيرة.
سر المناعة التي يتمتع بها الزرقاوي يكمن في دائرته القيادية الضيقة جداً. لقد إتخذ من النبي (ص-المترجم) مثالاً، ومثلما تزوج محمد (ص-المترجم) عائشة وحفصة بنتي صاحبيه أبوبكر وعمر (رض جميعاً - المترجم) تزوج الزرقاوي بنت أحد رفاقه الفلسطينيين الذي كان قد إلتحق به من الأردن، ثم بدأ رفاق الزرقاوي يزوجون بناتهم فيما بينهم: " لقد تمكن أبو مصعب وإخوانه أن يصبحوا من جميع الوجوه الأجتماعية والإقتصادية والعقائدية عائلة متماسكة واحدة ترتبط بالقرابة فيما بينها" وفقاً لما كتبه سيف العدل في شهادته عن الزرقاوي.
يتكون نواة المنظمة من أعضاء هذه العائلة ومن الأصدقاء والمحاربين القدماء في أفغانستان وزملاء سابقين كانوا معه في السجن. إنها عصابة برهنت حتى الآن على أنها عصية على التفكيك، قبل كل شيء لأنها تقوم على عقيدة متشددة: إقامة الخلافة وبناء مجتمع يضم جميع المسلمين وتحكمه الشريعة.

إندفاعاً بحمى الزرقاوي فإن رفاق دربه المخلصين مستعدون للذهاب حتى الموت، هكذا نفذ واحد من أعضاء العائلة – أبو زوجة الزرقاوي - أخطر إعتداء قامت به القاعدة حتى الآن. إرتدى الرجل ملابس طبيب وقاد في آب 2003 سيارة إسعاف محملة حتى السقف بالمتفجرات منطلقاً بها نحو مسجد الأمام على (ع- المترجم) في النجف ليفجرها هناك بالزعيم الشيعي محمد باقر الحكيم وجمع من المؤمنين.

أهلاً بك ياسيد دب

من هم ياترى مقاتلوا شبكة الزرقاوي الإرهابية؟
أبو جواد، على سبيل المثال، رجل ذو شأن، في أواسط الأربعينات بلحية تصل الى وجنتيه ويد تبدو كملزمة خشب عند المصافحة. أراد أن يعرف معنى إسمي الأول "أورس" فقلت يعني "دب"، وفور سماعه لهذه الكلمة وضع أبوجواد يده على بطنه وأطلق ضحكة قوية بانت منها أسنانه الذهبية.، ثم قال أهلاً ياسيد دب، أما أسمي فيعني.. أبوالحصان
. خلال مغادرتنا لمكان اللقاء عرض لنا أبو جواد عينة من فنونه القتالية، فقد تسلل من سلم المنزل إلى الأسفل بخفة متناهية وقام فجأة بتمثيل إطلاق نار من ذراعه الممدودة. ثم قال "نحن الأثنان ينبغي أن نسافر مرة إلى أمريكا" وأضاف ضاحكاً:" هناك سيزجون بنا في غوانتانامو لمدة ألف سنة"
أبو محمود، رجل نحيل بعينين متوهجتين، أمير يقود خلية من خلايا الزرقاوي، قبل أن يبدأ الكلام يقرأ دعاءً حاراً، كان معلماً لأولاد الزرقاوي عندما كان الأخير يقضي خمس سنوات في السجن، يقول: "الزرقاوي ليس عفريتاً كما يريد أن يصفه الأمريكان، كماهو ليس قديساً، إنه جندي بسيط من جنود الله"
أبو محمود لا يحمل غير الإحتقار للأوربيين ويقول إنهم خدام اليهود الذين هم بدورهم المصدر الأساسي للبلاء.
أما الرجل الرشيق ذو العينين الحزينتين الذي إلتقيناه منتصف الليل في عمان القديمة، فإنه يرتدي السواد ويسمي نفسه "الغريب" تيمناً بقدوته الزرقاوي في رسائله التي كتبها لأمه من السجن. في الحقيبة التي يحملها الرجل بضع قناني من عصير الفواكه يقدمها لمن يلتقيهم كدليل على حسن الضيافة: "يؤسفني أنني لا أستطيع إستقبالكم في البيت" قالها في حسرة وأضاف: "مازلت أعيش مع والدي وهما لايعرفان شيئاً عن خططي"
"الغريب" قرر الذهاب إلى العراق ليكون قنبلة بشرية، لقد حاول ذلك مرة لكن سلطات الحدود الأردنية ألقت عليه القبض، رغم ذلك فإنه مازال مقتنعاً بأن الوقت المناسب للذهاب إلى هناك سيأتي، بيد أنه قبل ذلك يريد أن يتزوج ويبني شقة فوق بيت والديه.
هكذا هم أتباع الزرقاوي، لهم طبائع مختلفة ولكن بينهم قاسم مشترك: القناعة الراسخة بأن العالم الإسلامي مهدد بوجوده من تحالف بين اليهود والصليبيين. وللتدليل على ذلك يشيرون إلى "ما يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل" وإلى "السياسة الإبتزازية" للأمريكيين الذين "يزيدون ثرواتهم بالسيطرة على الثروة النفطية العربية" وإلى "الحكام العرب الفاسدين" الذين "يعملون كخدم لهم"
كلهميزعجهم "السبات العربي" ويحلمون بدولة إسلامية كبيرة تقوم بها الخلافة وتحكمها الشريعة كما في زمن النبي محمد (ص- المترجم) قبل 1400 عام.
كم هو حجم اتباع الزرقاوي في موطنه، لا أحد يعرف ذلك، وإذا كان الأمر معلوماً للسلطات الأردنية، فإن الملك سيعتبر ذلك سراً من أسرار المملكة، ولكن الثابت أن شعبية الزرقاوي قد إمتدت إلى جميع الطبقات الأجتماعية، والقياس في ذلك حجم من يرتدون الطاقية الصوفية السوداء التي كان يرتديها الزرقاوي في الصورة التي نشرت له كمطلوب، إنه مثل النجوم الكبار. في مدينته الزرقاء يرتدي كل واحد من إثنين من الشباب مثل تلك الطاقية.
الصورة الوحشية التي يظهر فيها أمير الإرهاب لم تلحق الضرر أبداً بمكانته، على العكس من ذلك، أتباعه من كل الفئات العمرية ينظرون إلى حز الرؤوس وحمامات الدم التي تجري في العراق على إنها تعبير عن حالة دفاع عن الإسلام. في كل الأحوال معظمهم يؤيد القول بأن "العالم فيه من المشاكل الأكثر إستحقاقاً للغضب من الغضب الذي يثور لموت أمريكيين أو بعض العراقيين المتعاملين معهم"
ولكنه في المقر الرئيسي لقيادة القاعدة هنالك قلق ظاهر من طريقة الزرقاوي الوحشية، ففي رسالة مكونة من 13 صفحة عثر عليها الأمريكان في إحدى حملاتهم العسكرية ضد القاعدة في العراق، يحث أيمن الظواهري، الرجل الثاني في قيادة التنظيم ، زعيم الأرهاب في العراق على الإعتدال ويطالبه بالحفاظ على تأييد المواطنين العراقيين وكل المسلمين في العالم. مناسبة الرسالة كانت الهجمات العنيفة التي شنها أتباع الزرقاوي على الشيعة ومساجدهم والتي طالت العديد من المواطنين الأبرياء.
العداوة اللدودة للشيعة هي إحدى مميزات الزرقاوي، وذلك لأنهم كما يقول" لايبايعون النبي محمد (ص المترجم) بل الخليفة الرابع علي (ع- المترجم) ويعتبرهم "طائفة من الخونة"
الشيعة العراقيون الذين ساهموا بقوة وكثافة في العملية السياسية يصفهم الزرقاوي بـ "حثالة البشرية والأفعى السامة المتربصة والعقرب الغادرة"
لم يكن متوقعاً أن يتأثر الزرقاوي بملاحظات الظواهري. فالأردني الذي صعد بسرعة إلى قمة الإرهاب الدولي، لا يسمح لأحد أن يتدخل في أعماله، الغضب والتسلط هما قوته الدافعة، وإذا رأى نفسه محشوراً في زاوية ما فإنه يشعل جولة جديدة من العنف.


1-إقرأ في الحلقة القادمة: الصراع على جبهة الإنترنت، أوروبا كساحة إمداد ومستقبل الزرقاوي في تنظيم القاعدة

*مروان شحادة: صحافي أردني وخبير بشؤوون الإرهاب

الأهالي العراقية - العدد 168- 14.06.2006



 

 

 

Home  
About him  
Declaration  
Translation  
Articles  
Poetry  
Drama  
New  
contact  
   
   
 

 

 

 

 

 
 

Copyright©2009-2015 all rights reserved. Designed and created by Jawad El-Saidi