Translations

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

أبومصعب الزرقاوي: الصعود السريع إلى قمة الإرهاب

الحلــــقة الأولى

تحقيق : أورس غيْـرغر Urs Gehriger
ترجمة : جواد الساعدي
عن : فيلت فوخة – أسبوع العالم السويسرية


حتى بعد مرحلة شبابه بقليل، لم يكن أبو مصعب الزرقاوي سوى نكرة ولم يكن يرتجى منه شئ. الآن هو زعيم القاعدة في العراق وواحد من رموز المتطرفين. رجل جريمة، لايتورع عن إشهار السكين بنفسه ليذبح بها أعداءه.

*******

هذه قصة رجل "خرج ليحرر شعبه من الأثم ومن العبودية" ، شقاوة وسكير وجد في الأيمان بالله طاقة ليضرب بها الكافرين. قصة بلا نهاية منظورة، فحتى لو مات هذا الرجل الآن، فإن العالم سيبقى لمدة طويلة يحارب الإرث الذي سيخلفه. إنها قصة أخطر رجل في العالم: أحمد فضيل نزال الخلايلة الشهير بأبي مصعب الزرقاوي.

كيف بدأت القصة، لا أحد يعرف بالضبط، ولكن إذا كان ينبغي لها أن تبدأ في نقطة معينة، فتلك هي بعد ظهيرة يوم التاسع عشر من آب في شارع القناة شمال بغداد عندما أخذ بستاني بشعر أغبر وبدلة عمل مضرجة بالدماء يترنح في وسط الشارع ليسقط ميتاً. في لحظة موته كان يحمل فأساً. ربما كان يزيل الحشائش والأعشاب من أمام المقر الرئيسى للامم المتحدة عندما أنفجرت شاحنة صغيرة محملة بمئة كغم من المتفجرات تحت شباك مكتب رئيس البعثة سيرجيو دي ميللو. دي ميللو نفسه حوصر بين الأنقاض والمسعفون أخذوا يسقونه الماء فيما بعد. عندما خارت قواه، أرسل آخر تحياته إلى عائلته. بعد ساعة مات من النزيف.
بعد ثمانية أشهر من الهجوم نشرت على الإنترنيت رسالة صوتية، صوت المتحدث فيها يشبه صوت الببغاء: "لقد أعاننا رب العالمين (...) فحصدنا رؤوسهم في مكتب الأمم المتحدة في بغداد، وفي كربلاء، وفي الناصرية، وفي...." وعدد قائمة طويلة من القرى والمدن، قائمة مفزعة أفصح في نهايتها عن إسمه: أبو مصعب الزرقاوي.
الهجوم على مكتب الأمم المتحدة كان البداية لهجومات إرهابية لامثيل لها دفعت القوات الأمريكية في العراق إلى حافة اليأس.
فمن هو هذا الرجل الذي لو قورن به أسامة بن لادن نفسه لبدا الأخير مسالماً؟ هذا الرجل الذي يحز بيديه رؤوس الرهائن المقيدين بالأصفاد؟ وكيف قفز بين ليلة وضحاها إلى رأس قائمة المطاردين؟

الزرقاء مدينة أردنية تقع بالقرب من عمان العاصمة، مساحتها 10.000 كم مربع، وهي بساط من القرميد الأحمر والهوائيات والشوارع المطلية بالزفت الذي يتصاعد منه الفقر. 800.000 شخص يعيشون هنا: غلابة المجتمع، لاجئون فلسطينيون ونازحون أردنيون بسبب الحروب مع إسرائيل. المرة الأولى التي سمع فيها العالم عن هذه المدينة ووجه أنظاره نحوها كانت عندما قام إثنان من الفلسطينيين بخطف طائرتي ركاب تابعتين لشركتي "سويس أير" و "تي دبليو أي" وأجبروهما على الهبوط هناك.
لقد قضي الأمر ومر على ذلك زمن طويل، لكنه الآن لن تخلو عناوين الصحف من أسم المدينه، وزوار كثيرون يرويدون دائماً مشاهدة البيت الذي ولد فيه أبو مصعب الزرقاوي في 30 تشرين الثاني 1966 ونشأ فيه مع شقيقاته السبع وشقيقين آخرين.
يقع البيت في وسط المدينة، في حي "مقسوم" وهو بيت عادي من طابقين بجدران متواضعة وحديقة صغيرة. في المقابل تقع مقبرة، مهملة ومليئة تماماً بالقاذورات.
"هذه القبور أثارت لدى الزرقاوي في شبابه جاذبية للموت" كان الجيران يقولون لوسائل الإعلام.
لكنه الآن لا أحد يتحدث، فعشيرة الخلايلة بعثت برسالة إلى الملك الأردني تدين فيها أعمال إبنها العاق، والملك بدوره أمرهم بعدم التحدث لوسائل الأعلام.

1,67 متر من الغضب

أولى الأشياء التي أدركها أبو قتيبة في جبال إفغانستان الشاهقة عن عدوه هي الخطوات العشوائية والمتثاقلة. أبو قتيبة ليس مضطراً للنظر إلى الأعلى ليعرف أن العدو سيكون عنده بعد قليل. إنه ينظر إلى زناد بندقيته ويبتلع أنفاسه، يسمع الخطوات القادمة؛ أقدام حافية على صخر سائب. أصبحت أكثر سرعة، وبعد ثوان ٍ ستكون على القمة.

"كان يرتدي نظارة سوداء" يروي أبو قتيبة الأمر وكأنه حصل بالأمس. "كان خلع أحذيته، ربما تصور أننا لن نسمعه هكذا" أبو قتيبة كان أسرع، أردى الروسي وتركه ممداً في مكان ما من هندوكوش، واحد من 1500 جندي حي تركهم السوفيات لدى إنسحابهم مدحورين من إفغانستان.
"الروسي كان اكثر جرأة من الأمريكي" يقول أبوقتيبة. "الأمريكي يصرخ كالخنزير، عندما نطلق عليه النار. الروسي مات حتى دون أن يتأوه"
في غرفة الجلوس داخل بيت أبو قتيبة تجتمع نصف دزينة من المحاربين القدماء في إفغانستان. يتحلقون حول بعضهم في دائرة ويسبحون في ذكريات الجبهة. كل واحد منهم هنا يعرف الزرقاوي شخصياً.
"في أحد الأيام جاء إلينا هذا الشاب" يتذكر أبو قتيبة الذي كان في الثمانينات يجند شباباً مجاهدين ويرسلهم إلى إفغانستان "كان من بين المئات جاؤوا إلى مكتبي، رغم ذلك فإنني لم أنس نظرته، كان متعطشاً و كله غضب "
آنذاك كان مازال يدعى أحمد، يبلغ من العمر 23 عاماً، طوله 1,67 متر، نحيف. يكاد لايكون له أصدقاء، تعليمه عادي، وليس لديه وظيفة. والده ينفق عليه ووالدته تهتم به وترعاه. وجه أحمد كان شاحباً، يجول في الشوارع ، يبحث عن شئ ما ولايجد، لكنه لديه ما يعوض ذلك، لديه شئ أقوى من الشهادة الدراسية: أحمد فضيل ملئ بالغضب.
هذا الغضب يفقده السيطرة على نفسه ويجعله يثور، كان يقوده إلى عراك وينحرف به إلى السكر والسرقة. دائماً كان والده يضطر الى إستلامه من مخافر الشرطة. الجيران كانوا يسمونه "الرجل الأخضر" من فرط ما كان على كتفه وذراعه من وشم. في يده اليسرى وشم على شكل مرساة وفي إبهامه ثلاث نقاط زرقاء، رمز عصابته.
في وقت ما من نهاية الثمانينات وقع التحول في حياته. في إحدى جولاته في الحي دخل ذات مرة إلى جامع الفلاح في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
أحمد الذي سلك في حياته الداعرة سلوكاً منافياً للقرآن بشكل لا لبس فيه، وجد في المسجد أصدقاءً تبنوا الإسلام الأصولي. وبنفس الحرارة التي كان معها قبل أشهر قليلة يجول في الطرقات سكراناً معربداً، إعتنق قيم أصدقائه وجعلها قيمه. كان الحديث معهم يدور دائماً حول إفغانستان، حول الجهاد البطولي ضد السوفييت وتحرير المسلمين من نير الأستعمار. وللمرة الأولى في حياته أصبح لأحمد هدف. يريد أن ينخرط في الحرب ليجاهد.
********
عندما يكون في حالة مشي لايلاحظ المرء شيئاً، ولكن عندما يجلس، فإن المرء يرى ذلك بوضوح. عند الكاحل تبدو الجوارب مسترخية على حافة الحذاء، تحتها تلوح قطعة بلون البن الفاتح من البلاستيك الصلب.
"إصابة بلغم مضاد للأفراد، كان ذلك قبل خمسة عشر عاماً في خوست" قال الرجل ذو القدم البلاستيكية؛
صالح الحامي، صهر الزرقاوي وأقرب أصدقائه: "أحمد كان يقف إلى جانبي عندما تعرضت للإصابة"
أحمد يعجب بشجاعة الجريح، يزوره يومياً في المستشفى في باكستان ثم يزوجه إحدى شقيقاته.
هل كان الزرقاوي مقاتلاً جيداً؟ سألنا صالح
"والله، عزيمته يمكن أن تحرك الجبال" أجاب
منذ ربيع 1989 وأحمد في إفغانستان. بعد وصوله نقل إل خوست، ولكن عندما وصل إلى هناك بعد رحلة طويلة دامت عدة أيام، وجد المدينة هادئة. سنوات طويلة تسكع بين الأزقة كمجرم صغير، والآن، لأنه يريد أن يصبح مقاتلاً، تنتهي الحرب؟

أمير في السجن

وبدلاً من الكفاح بالبندقية، كافح أحمد بالقلم. بعض معارفه ساعده على أن يحتل موقعاً في جريدة البنيان المرصوص، وهي الجريدة التعبوية لتنظيم القاعدة، فجال في معظم أنحاء إفغانستان مدوناً شهادات المقاتلين العرب عن الحرب، وعن أبطال لم يرهم هو أبداً. وبين المجاهدين ذوي الخبرة بنى شخصيته وأكد خصوصيته.
عندما عاد إلى الأردن عام 1993 كانت حقيبته ملأى بالكتب والأشرطة الصوتية التي تحتوي على مواعظ منظـّر الجهاد عبدلله عزام، مستشار إبن لادن.
أبطن أحمد في أعماق نفسه الشعارات التالية: رفض المـُعاصر، العودة إلى جذور الأسلام، والدعوة إلى إقامة الخلافة.
أصبح له الآن هدف واضح وهو مصمم على مواصلة الكفاح في بلاده الأردن. عندما وصل إلى الزرقاء لم يكد أصدقاؤه القدامى أن يتعرفوا عليه. كان سمى نفسه أبو مصعب، الأسم يعود إلى مقاتل من صحابة النبي محمد (ص - المترجم) مصعب بن عمير(رض – المترجم) الذي فقد ذراعيه في معركة المدينة (معركة أحد التي أستشهد فيها وكان يحمل اللواء – المترجم) والذي إتخذه الإنتحاريون شفيعاً لهم. بالأضافة إلى ذلك إشتق أبو مصعب لقباً له من إسم مدينته الزرقاء.
بدأ الزرقاوي يجول في الشوارع ليبشر بكلمة الحق، وأخذ يؤنب النساء اللواتي لا يرتدين لباساً شرعياً. "لم يكن الأمر سهلاً" يقول الصهر صالح الحامي ويوضح: "عندما يقضي المرء زمناً طويلاً في الجهاد، فإن الأمر يصبح بالنسبة له كالأوكسجين، لايمكن العيش بدونه"
قام الزرقاوي بإجراء إتصالات مع المتواجدين داخل الأردن من المحاربين القدماء في إفغانستان فأسسوا معاً مجموعة إرهابية سموها "بيعة الإمام" التي إشترك في تمويلها تنظيم القاعدة. هدف المجموعة: إسقاط الحكومة الأردنية. لكن الحكومة كانت متيقظة حيث وضعت كل محاربي إفغانستان نصب أعينها. لم يمر عام واحد على عودة الزرقاوي إلى الأردن حتى أعتقل وحكم عليه بالسجن 15 عاماً لحيازته الأسلحة.
أصبحت ساحة كفاح الزرقاوي لا تتعدى الآن سوى بضعة أمتار مربعة: المهجع رقم 6 في سجن سواقة، 70 كلم جنوب عمان في وسط الصحراء. هنا يلتقي مع رفيق قديم في إفغانستان، العلامة محمد المقدسي الذي لقنه تعاليم الحركة السلفية. هذه الحركة تحمل ملامح طائفة.
"القيم المطلقة تسيطر على تفكير السلفيين" تقول نادين بيكادو الأستاذة في جامعة باريس وتضيف: "إنهم يكفرون الجميع"
ذات مرة باغت الزرقاوي سجينا ً معه وهو يقرأ رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي دوستويفسكي فصرخ في وجهه: "لماذا تقرأ لهذا الملحد" بعد ذلك تلقى الرجل رسالة تهديد. وبعربية رديئة وخط صبياني أمره بعدم قراءة "دوسيفسكي"، هكذا سماه.
أصبح الزرقاوي أميراً وزعيماً لأربعين من السجناء الذين معه. كان يقودهم كما يقود سرية. بحضور حراس السجن كان يصدر لهم الأوامر بالغمز. جميع الأتصالات مع إدارة السجن كانت تجري من خلاله. كان يتقدم جماعته في كل شئ وإذا عاد أحدهم من التعذيب يقوم شخصياً بعملية تغسيله ورعايته.

السجناء الذين معه كانو يرون أيضا الجوانب الخفية في الزرقاوي. ينزوي أحياناً في فراشه الذي حوله ببطانية إلى خيمة. إحيانا يسمعونه وهو يبكي، بعد قليل ينهمك بالرسم على ورقة بجهد طفولي؛ أشكال، نقوش، ورود، قلوب. غالبية الرسومات لم تكن موجهة لزوجته -كان تزوجها في مرحلة التسكع- بل كانت موجهة لأمه؛ أم صايل. في إحدى الرسائل يروي لها حكاية عن القلب المكسور التي تروى عن صبي كان مجبراً على بيع قلب أمه. وفي طريقه إلى المشتري تعثر الصبي وهو يحمل قلب أمه فانكسر القلب وصاح ولدي حبيبي هل من ضرر؟ وعندما لاحظ الصبي بإن قلب أمه مازال يقلق عليه رغم انه قتلها ليستولي على قلبها قرر أن يذبح نفسه ولما استل سكينه صاح قلب الأم : "إرم السكين من يدك، لقد ذبحت قلبي مرة، فلاتذبحه ثانية ً"
في أغلب الأحيان كان الزرقاوي يوقع رسائله بإسم "الغريب". يقول أحد السجناء ممن كانوا معه: "لقد تغيرت شخصيته تماماً، لقد تأمل وفكر في فترة السجن كثيراً وتوصل إلى نتيجة مفادها أن الإسلام يحتاج إلى شخصيات قيادية قوية"
بعد مضي عام على سجنه إعتنق الزرقاوي الفكرة المانوية (ديانة فارسية قديمة .نسبة إلى مؤسسها الفيلسوف ماني 215 – 276 م - المترجم) عن وجود عالمين؛ عالم الخير وعالم الشر، وهنا بالنسبة له عالم الخير هو عالم المؤمنين المسلمين من الإتجاه السلفي وعالم الشر هو عالم الكفار الذي يشمل حتى المسلمين الذين يتعاونون مع الأعداء؛ إسرائيل والولايات المتحدة: "لا أحد من الكفار يستحق الحياة" قال لأحد السجناء.

شهادة على الرق

في عام 1999 توفي الملك حسين. أبنه الملك عبدالله، وكإشارة للمصالحة ولبداية جديدة، أصدر عفوأً عاماً عن السجناء الأردنيين. فوجئ الزرقاوي بذلك، وبمحض إرادته قضى مع زملائه في المهجع ليلة أخيرة في السجن.
لم يستطع البقاء في الأردن، فهنا هو مرصود في كل خطواته، لذلك شد الرحال إلى إفغانستان، حيث حكومة طالبان وسيادة الشريعة. هناك كانت بداية الصعود المدهش الذي مازال حتى اليوم اللغز الأكبر في مسيرة الزرقاوي.
وفقاً لورقة سرية وضعتها وحدة مكافحة الأرهاب الإسبانية فإن الزرقاوي إنضم بعد وصوله إفغانستان بأشهر إلى أركان القيادة النافذة في تنظيم القاعدة. بعد عام واحد بالضبط على إطلاقه من السجن أصبح الزرقاوي قائداً لمعسكر وصارت بتصرفه شبكه متنامية بسرعة إمتدت الى أوروبا.

كيف يحصل رجل قضى خمس سنوات في السجن على مثل هذا النفوذ الكبير دفعة واحدة؟
في إطار بحوثه التي دامت عاماً كاملاً سأل الصحافي الأردني فؤاد حسين الكثيرين من كوادر القاعدة. بين هؤلاء سيف العدل، وهو عقيد سابق في القوات الخاصة المصرية والمسؤول العسكري لدى إبن لادن.
سيف العدل الذي يخضع للإقامة الجبرية في إيران أرسل شهادته عن الزرقاوي مع رسول خاص إلى الأردن. الوثيقة تحتوي على إثنتين وأربعين صفحة مكتوبة على ورق من الرق الأصفر بشكل لايترك مجالاً بين السطور. كل صفحة يظهر عليها آثار عشرات الطيات.
"الأوراق كانت مطوية على شكل سجائر وتم تهريبها إلى الأردن" يؤكد الأشخاص الذين كانوا حاضرين عند وصول الوثيقة.
مايخبر به سيف العدل مثير وله دلالة كبيرة، فهو يروي بأن الزرقاوي لم يكن مجهولاً في دوائر قيادة القاعدة. أسامة إبن لادن كان يفكر بكيفية جذب عشرات الآلاف من المقاتلين القدامى في إفغانستان، الذين عادوا إلى أوطانهم بعد هزيمة القوات السوفيتية، لكي يواصلوا الجهاد.
"بعضهم كان يتنقل بين أنحاء العالم" كتب سيف العدل وإصفاً ذلك بأنه "مضيعة للوقت" ثم واصل: "بدأت القاعدة تجمع المعلومات عن جميع رواد الجهاد في إفغانستان، الأخوة الأردنيون والفلسطينيون كانوا على رأس القائمة" لأن المعلومات المتوفرة لدى القاعدة "كانت تفيد بأنه لايوجد الكثير من أتباع التنظيم أو المؤيدين لأفكاره في فلسطين والأردن"
ويقول "كنا تلقينا بفخر نبأ المرافعة التاريخية للزرقاوي أمام المحكمة" والتي شتم فيها الملك الأردني، لذلك كنا مسرورين جداً عندما سمعنا بإطلاق سراحه في بداية عام 1999"
بعيد وصول الزرقاوي الى قندهار نهاية عام 1999 زاره سيف العدل في أحد بيوت الضيافة. الميول والرغبات الملحة التي أظهرها الزرقاوي دخلت مزاج سيف العدل وأعجبته: يقول "وجدت رجلاً لايتقن فن الكلام، يعبر عما يجول في نفسه وفكره بكلام مقتضب" ويؤكد سيف العدل أن "تجارب الزرقاوي في الجهاد لم تكن واسعة، لكن طموحه كان كبيراً وأهدافه واضحة"
الآراء والمفاهيم المتشددة التي يحملها الزرقاوي في بعض المسائل سببت لسيف العدل بعض القلق، خصوصاً في مسألة البيعة لأسامة إبن لادن. الزرقاوي لم يظهر ميلاً للحلول الوسط خصوصاً في موقفه من النظام السعودي. لقد رفض بيعة إبن لادن إذا لم يعلن الأخير الحرب على آل سعود، بالإضافة إلى ذلك إعتبر الزرقاوي أن مناهج تحرك القاعدة ضعيفة.
في الصباح التالي عرض سيف العدل في محادثة مع أسامة إبن لادن ومساعده أيمن الظواهري حالة الزرقاوي فلم يبديا إهتماماً كبيراً، حيث تبين أن هناك مشكلة من النوع الأساسي: بن لادن والظواهري يريدان محاربة اليهود والصليبيين في المقام الأول، وفي المقدمة الأمريكيين، بينما يفضل الزرقاوي إستهداف الأنظمة العربية وإسرائيل.
بعد مناقشة حامية دامت ساعتين قبل القياديان أن يقوم سيف العدل بالأهتمام بشؤون الزرقاوي. بناءً على ذلك إقترح سيف العدل عليه أن يؤسس مجموعة خاصة يخصص لها معسكر تدريب في حيرات الأفغانية على الحدود مع إيران، هذا إضافة إلى تأمين الأموال والأسلحة اللازمة. لقد كان هذا العرض بالنسبة للزرقاوي نجاحاً حيث لم تطلب منه البيعة في المقابل ولكن فقط "التعاون والتنسيق.في خدمة أهدافنا المشتركة" عملياً يعني ذلك بناء خلايا للقاعدة في الأردن، سوريا، لبنان، فلسطين والعراق.
لم يكن الأمر مريحاً تماماً بالنسبة لقيادة القاعدة. الأردني العنيد بتطلعاته الإستقلالية يثير القلق. عند بعض ذوي الشأن في القاعدة هنالك شبهة بأن الزرقاوي قد جرى تطويعه من قبل المخابرات الأردنية خلال فترة الخمس سنوات التي قضاها في السجن. وربما كان ذلك هو السبب الذي جعل معسكر الزرقاوي يقام بعيداً عن مقر قيادة القاعدة في قندهار كما أكد سيف العدل ذلك مرات عديدة.
في بداية عام 2000 إنتقل الزرقاوي إلى حيرات: "لقد كان معسكراً بسيطاً" يقول إياد التوباسي، وهو شاب أردني من مدينة الزرقاء أيضاً إستجاب لدعوة القائد الأرهابي الجديد بالقدوم إلى إفغانستان. ثم يضيف: "حرص أبو مصعب على أن يكون في المعسكر ماهو ضروري فقط"
الزرقاوي، الذي فرض إنضباطاً حديدياً، طلب من مرؤوسيه ما لم يعطه لإبن لادن: الطاعة غير المشروطة والوفاء الأبدي. علم المعسكر كتب عليه: "التوحيد والجهاد" وهو ماسيكون فيما بعد إسم المنظمة التي يقودها الزرقاوي في العراق.
إبتهج سيف العدل "للخطوات الكبيرة المتقدمة" ولمس تحولاً ملحوظاً لدى الزرقاوي شخصياً: "في بداية عام 2001 أصبح أبو مصعب إنساناً مختلفاً، يبادر إلى الكلام، يهتم بالسياسات العليا، طور نظرته للعلاقات العامة. أصبح أكثر تأثيراً وإقناعاً وبدأ يفكر في المستقبل ويخطط له إستراتيجياً (....) كل ذلك كان يشير إلى نشوء شخصية قيادية متميزة"
لم يكن يعرف عن قدرات أمير الأرهاب الطامح سوى دائرة صغيرة من القاعدة، لكن هذا الأمر سيتبدل قريباً.
في الخامس من شباط 2003 كان العالم يحبس أنفاسه. أمام الأمم المتحدة في نيويورك عرض وزير الخارجية الأمريكي كولن باول "أسباب الحرب" على صدام حسين، وبعد ستين دقيقة من "الحقائق الدامغة" سمع العالم لأول مرة برجل سيحتل إسمه من الآن فصاعداً العناوين الرئيسية للصحف. "العراق يأوي حالياً شبكة إرهابية يقودها أبو مصعب الزرقاوي رفيق أسامة بن لادن" قال باول. كانت الرسالة واضحة: إبن لادن وصدام حسين يرتبطان بعلاقة سرية، وبينهما رجل إسمه الزرقاوي.
لقد تعين على كولن باول فيما بعد أن يصف ظهوره هذا أمام الأمم المتحدة بـأنه "وصمة عار" في حياته المهنية وقال نادماً على ذلك بأنه لم تكن لدية مستندات عن العلاقة بين صدام حسين وتنظيم القاعدة. في الواقع كان الزرقاوي توجه إلى العراق قبل كلمة باول أمام الأمم المتحدة بعام تقريباً؛ بالضبط في 4 نيسان 2002 فمن أرسله إلى هناك؟

بعد الهجوم الأمريكي على إفغانستان إنسحب الكثير من الإسلاميين إلى داخل إيران، وبين هؤلاء كانت مجموعة الزرقاوي. سيف العدل، ووفقاً لشهادته، كان المسؤول عن إيصال لاجئي القاعدة إلى إيران وإيوائهم: "درسنا حالة الأخوة والمجموعات من أجل اختيار أماكن جديدة لهم" الزرقاوي الذي لم يكن مطلعاً على التحضيرات للهجمات الأرهابية في الحادي عشر من سبتمبر كان أخذ المبادرة. "الأخ أبو مصعب ورفاقه الأردنيون والفلسطينيون قرروا الذهاب إلى العراق"
ماذا كان يريد الزرقاوي من ذهابه إلى العراق، حيث أجهزة صدام حسين السرية التي لاتعرف التسامح مع الإسلاميين؟
"الإختيار لم يكن إعتباطياً، بل كان مدروساً بدقة" يوضح سيف العدل ويضيف: "لقد دلت تحليلات الزرقاوي بأن الأمريكيين سيرتكبون الخطأ حتماً وسيقومون بغزو العراق عاجلاً أم آجلا" ثم يواصل: "كان الأمر واضحاً بالنسبة لقيادة القاعدة بأنها سوف تلعب دوراً بارزاً في المقاومة. إنها فرصتنا التاريخية لأقامة دولة الإسلام"

العراق كان الهدف والطريق المؤدية إليه كانت إيران. بوضوح كانت دولة الملالي تشكل موقع إنسحاب وموقع إنطلاق معاً للمرحلة القادمة من "الجهاد"
المكتب الإتحادي الألماني لمكافحة الجريمة قدم لإيران تقريراً يثبت بأنها تقدم للزرقاوي "إمدادات عبر جهات حكومية" وما ثبت أنه تقدير خاطئ بالنسبة للعراق كان صحيحاً بالنسبة لإيران، فالحكومة هناك تتعاون مع القاعدة.
في دراسة مفصلة من 125 صفحة بتاريخ 6 أيلول 2004 وصف المكتب الإتحادي كيف أن الزرقاوي، وبعلم من نظام الملالي، أنشأ معسكرات جديدة وبيوت آمنة في زاهدان وإصفهان وفي طهران. وبذلك أصبحت إيران منصة الإنطلاق لشبكة الزرقاوي المتنامية بسرعة والتي إمتدت من شمال القوقاز إلى سوريا وتركيا وصولاً إلى أوروبا. جوازات سفر مزورة، أموال وإرشادات ترسل في كل الإتجاهات. تداول الرسائل والمعلومات يجري عبر سعاة وبواسطة التلفون، على سبيل المثال رقم الهاتف الجوال0041793686306 المسجل لدى شركة سويسكوم السويسرية.
سيف العدل يؤكد الموقف الإيراني المتسامح بسخاء: "الأمريكيون لاحظوا بأن الإيرانيين يغضون الطرف عن نشاطاتنا هناك فشنوا حملة إعلامية كبيرة على إيران. عندها وجدت إيران نفسها مضطرة لتوقيف رجال القاعدة وإبعادهم"
عندما أخذ أول صاروخ أمريكي موجه طريقه إلى بغداد في آذار 2003، كان الزرقاوي نظم نفسه جيداً في العراق. ومنذ مغادرته إفغانستان لم يكن أعد نفسه لمواجهة الهجوم الأمريكي فحسب، ففي صيف 2002 سلم الزرقاوي شخصياً أحد ضباطه مسدساً من عيار 7 ملم وكاتم للصوت مع سبعة مخازن ذخيرة حيث جرى بعد ذلك بوقت قصير إغتيال الدبلوماسي الأميركي لورنس فولي في عمان.
عملية الإغتيال مثلت معلماً هاماً في مسيرة الزرقاوي. لقد برهن أنه قادر على أن يعد لعمليات منظمة من الخارج.
في الأردن حكم عليه في 6 نيسان 2004 بسبب هذه الجريمة بالإعدام شنقاً حتى الموت. حكم قابله الزرقاوي بفعل يقشعر له بدن المرء: أمام الكاميرا قطع رأس الرهينة الأمريكي نيكولاس بيرغ ورفعه إلى الأعلى شاكراً الله في السماء.
لقد كانت البداية والمؤشر لما نشاهده اليوم من مرحلة هي الأكثر فظاعة حتى الآن في حرب العراق. واشنطن وضعت 25 مليون دولار مقابل رأس الزرقاوي. لقد خرج نهائياً من عباءة إبن لادن وأصبح يهدد بتجاوزه والتفوق عليه. الشريط المصور لقطع رأس نيكولاس بيرغ أستنسخ في العالم العربي آلاف المرات ووزع بواسطة البريد الألكتروني، وبينما يجلس إبن لادن في مكان ما قصي من هندوكوش يستفيد الزرقاوي من وضعه كرجل ميدان.
في أيار 2004 غدا هو محرك شبكة الإرهاب في العراق وقريباً سيجعل الأمريكان يخشونه كأخطر رجل في العالم.

1-إقرأ في الحلقة القادمة: كيف تسلل مقاتلوا القاعدة إلى العراق؟ كيف نظم الزرقاوي شبكته؟ وكيف استطاع الإفلات من يد الأمريكان؟

الأهالي العراقية - العدد 167- 07.06.2006



 

 

 

Home  
About him  
Declaration  
Translation  
Articles  
Poetry  
Drama  
New  
contact  
   
   
 

 

 

 

 

 
 

Copyright©2009-2015 all rights reserved. Designed and created by Jawad El-Saidi