أرْد اشرد لْبغداد

محافظة واسط حبست حصة محافظة ميسان من مياه دجلة، فتراجعت انتاجية مساحة العام الحالي من الحنطة والشعير، وفقاً لمحافظ ميسان الأستاذ علي دوّاي، الذي لم يوضح الدوافع والأسباب، ولم يتجرأ حتى على إدانة سلوك محافظة واسط فضلاً عن اللجوء إلى مقاضاتها.
في بدايات القرن الماضي كان شيوخ محافظة ميسان "يتمرغون في الثروة" بينما كان فلاحوها يعانون من فقرٍ مُدقعٍ وحياة بائسة في ظل نظام الإقطاع العشائري، حيث كانت المحافظة حتى العام 1930 "من أحسن وأغنى محافظات العراق" كما وصفها تقرير للمفتش الإداري البريطاني صدر آنذاك، وذلك على رغم التراجع الزراعي الذي شهده العراق في تلك الفترة وعجز النظام الإقطاعي في عموم البلاد عن توسيع المساحات المزروعة وتنويع المحاصيل، مما أدى إلى هجرة الفلاحين من الأرياف إلى بغداد. لكن تقريراً للمتصرّف (المحافظ) في العام 1944 أشارَ إلى تراجعٍ كبير، لا بل إلى انحطاطٍ في انتاج المحافظة أكثر بروزاً من بقية المحافظات. واحدٌ من أهم أسباب ذلك كان إنشاء سد الكُوت في محافظة واسط في العام 1939 وتطور سرعة الضخ على نهر دجلة، فقد سُمح لشيوخ العشائر والملاكين في محافظتي واسط وبغداد، الواقعتين فوق محافظة ميسان، بنصب عدد كبير من مضخات المياه بغض النظر عن تأثيرات ذلك على الجزء الأدنى من النهر، حتى بلغ، في العام 1957، عدد المضخات المنتشرة على نهر دجلة في محافظتي واسط وبغداد 2079 من أصل 5264 مضخة في عموم العراق. ازدادت حياة الفلاحين تعاسةً، فاضطروا إلى هجرات جماعية نحو بغداد وأقاموا في تجمعاتٍ حول العاصمة في ظروفٍ معيشية أكثر بؤساً من السابق، ولا تزال قصص البؤس طريةً وحاضرةً في أذهان الآباء والأجداد ممن امتد بهم العمر حتى الآن. في دوافع هذه الهجرة قال شاعر من عشيرة البومحمد: أرْد اشرد لْبغداد من هَلِفْلاحة، لا تِشْبِع الجوعان، لا بيها راحة.
هل يراقب السيد وزير التخطيط جريان الماء من وزارته المطلة على نهر دجلة؟ هل التفت السيد رئيس الجمهورية ومعه مجلس النواب إلى خطورة تصرف المحافظات بهذه الطريقة التي هي خرق دستوري وتعدٍّ على اختصاص السلطات الاتحادية المنصوص عليها في الفقرة الثامنة من المادة 110 من الدستور المتعلقة بالثروة المائية وتوزيعها توزيعاً عادلاً؟ وهل جرى التوافق على إجراءات رادعة لمثل هذه السياسات التي تزيد من تمزيق الهوية الوطنية الممزقة أصلاً؟
لا يبدو ذلك، ففي وقت لاحق سارت محافظة بابل بشأن مصادر الطاقة الكهربائية على خطى محافظة واسط في الحصص المائية، وقَطعت الكهرباء عن محافظات أخرى. السيد رئيس الوزراء لم يجد سبيلاً غيرَ التعبير عن الأسف والعتاب الشفاف، أو ما يقال عنه عتاب المحبين، على المحافظات التي تتبع سياسة الإضرار بمحافظات أخرى، ولم يستطع في اِجتماع الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات غير المنتظمة باقليم في 2 آب، سوى وصف هذه السياسة بغير المقبولة، واكتفى بدعوة المحافظين إلى التعاون وعدم التصارع والإلتزام بحصص محافظاتهم المقررة وعدم التجاوز على حقوق المحافظات الأخرى فبدا عاجزاً عن استخدام الصلاحيات الممنوحة للسلطات الاتحادية برغم انطواء الأمر على مخالفة دستورية خطيرة قد يؤدي استمرارها إلى صراعٍ لا تُحمد عواقبه بين المحافظات، وكذلك برغم دعوة السيد وزير الموارد المائية -وإن مـتأخراً- مجلس القضاء الأعلى للتنسيق مع الوزارة لمعاقبة المتجاوزين على الثروة المائية، وإيعاز المجلس بتشكيل محكمة مختصة لمعالجة التجاوزات في القطاع الإروائي.
لماذا لم يتحرك رئيس الجمهورية المكلف بـالسهر "على ضمان الالتزام بالدستور" ولماذا بدا رئيس الوزراء عاجزاً؟
أعتقد أن السبب وراء ذلك هو الفقرة الخامسة من المادة 122، الفصل الثاني من الدستور العراقي، والتي نصت على ما يلي: "لا يخضع مجلس المحافظة لسيطرة أو إشراف أي وزارة أو أي جهة غير مرتبطة بوزارة، وله مالية مستقلة"، هذه الفقرة الدستورية أهملت حتى دور البرلمان، باعتباره سلطة تشريعية ورقابية عليا، في مراقبة ومساءلة مجالس المحافظات، أضف إلى ذلك استناد معظم السلطات المحلية إلى قوى الأمر الواقع من مليشيات وعشائر مسلحة وانحدار ممثلي السلطات الاتحادية منها، مما جعل سلطة المحافظات سلطة ندّية لا تضع إعتبار المصلحة الوطنية العامة في موضعٍ متقدم من سياساتها.
الأخطر من ذلك، ما جاء في الفقرة الرابعة من المادة 121 في الباب الخاص بسلطات الأقاليم، والذي نصَّ على أن: "تُؤسَّس مكاتبٌ للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والإنمائية"، ولكم أن تتصوروا ما يجرّه ذلك من تبعيةٍ للخارج واستقواءٍ على الداخل في بلدٍ يتدخل في شؤونه الكبير والصغير من دول العالم، ويعاني من اضطرابٍ في لحمته الاجتماعية، وتمزّقٍ في هويته الوطنية.
ترشيد
على الرغم من أننا نملك "مرجعية رشيدة"، وكان لدينا في سالف الأزمان "ملكٌ رشيد" و"عاصمةٌ رشيدة" وفلاحٌ اسمه "راشد يزرع"، فإننا لا نزال، كما يبدو، قاصرين عن ترشيد الكهرباء، أو بالأحرى ترشيد سلوكنا، بدون المرجعية الرشيدة، حيث أطلقت إحدى أعضاء مجلس محافظة واسط شعارها التالي في حملة التوعية لترشيد استخدام الطاقة الكهربائية: "إذا كنت تستمع لكلام المرجعية، فعليك ترشيد الطاقة الكهربائية". لكن الأدهى من ذلك أن محافظة واسط نسِيَت أو تجاهلت المرجعية عندما تصرفت بشكلٍ غير رشيد واستحوذت على حصة ميسان من المياه. أحدٌ يفسّر غير ذلك؟

 

 

 

Home  
About him  
Declaration  
Translation  
Articles  
Poetry  
Drama  
contact  
   
   
   
 

 

 

 

 

 
 

Copyright©2009-2015 all rights reserved. Designed and created by Jawad El-Saidi