جريدة النهار / الملحق الثقافي/  الصفحة 19  / 01.05.2015

يا خيرَ أمةٍ...
فكرة الحضارة الأصيلة أو النقية فكرة جاهلة ومتعصبة. البناء الحضاري تراكمي، تفاعلي، متعدد المنابع الإنسانية. الحضارة سلوك إنساني، فردي وجماعي، أما الإرث الحضاري فمتاحف وآثار لم تكتشف بعد. قد يزداد السلوك البشري سوءاً، كلما ازداد عدد الآثار المكتشفة، وقد تكون "خير الأمم" أسوأها في مراحل الإنحدار وأسوأ الأمم خيرها في مراحل الصعود. لكي ننعم بالسلام وراحة الضمير ــــ إن وُجد ـــ علينا أن نعيش التنوع والتعدد كما هو، بكل جذوره وتفرعاته الحضارية الأصيلة، شرط التحديث والمعاصرة، وأن نضع الإنسان ومصلحته في مركزية تفكيرنا، لا أن نقضي قروناً غير معدودة بحثاً وتفكيراً في ذات الله وصفاته. الله لا يحتاج إلينا، وإذا أردنا أن نجلّه علينا أن نحترم مخلوقاته، فحكمته لا تكمن في الخَلْق فحسب، بل أيضاً في تعدّد ما خَلَق، سواء أكان ذلك في تعدد الأنواع أم في اختلاف النوع ذاته. الورود تختلف عن بعضها، وكذلك الناس (..وجعلناكم شعوباً وقبائل... الحجرات 13). على الجميع أن يراجع الجانب الغيبي والأساطيري وكلَّ ما يغذي نزعات التفوق ويفجر موجات الحقد والكراهية، على الجميع أن يتخلى عن أحلام الهيمنة والتوسع المدفوعة بالجشع والاستبداد أو بوهم امتلاك الحقيقة المطلقة. زمن الغزو وهجرات الشعوب وبناء الامبراطوريات انتهى ولم تعد هنالك أرضٌ خالية على وجه البسيطة لتستوعب الشعوب التي تفكر بالغزو والترحال والبداوة. كل البقاع مسكونةٌ أو مسيطرٌ عليها، على الأقل بالنار. أمامنا تجربة أميركا المعاصرة، وهي أكبر قوة في العالم الراهن. هل استطاعت أن تحطَّ في أرضٍ من دون أن تواجه مقاومةً وتنهزم؟

من أين نبدأ بالتغيير؟
إذا كان لدينا شبابٌ أحبطه انسداد الأفق وأتعبته الدكتاتوريات وأهانه أصحاب النجوم اللامعة والشوارب المفتولة، ولدينا مواطنون أنهكهم اللهاث وراء لقمة الخبز ومرّغت البيروقراطيات كراماتهم واشترى السياسيون، وأعوانهم من "المفاتيح"، أصواتهم في "الديموقراطيات الانتخابية" أو فرضوا عليهم الصمت في ممالك القهر وجمهورياته "الحديثة"، ولدينا كتّابٌ وإعلاميون يتآمرون على الحقيقة ويلوثون الكلمة الحرة، و"مثقفون" آخر ما يفكرون فيه احترام التفكير والعقل، وشعراء يمدحون من أجل التكسب لأنهم لا يجدون ما يؤمّن قوْتَهم ليحترموا موهبتهم. وإذا كان لدينا أطباءُ ينكثون القَسَم ويتآمرون على صحة المريض، وقضاةٌ ورجالُ إفتاءٍ يتملقون الحاكم ويُفتون لتمريرِ مصالحهِ على حساب مصلحة الوطن والمواطن، ومؤسساتٌ حكومية يصح أن نطلق عليها "مومسات" لا مؤسسات، حيث هي إما مباحةٌ للفساد والرشوة وإما إقطاعات لبعض أصحاب النفوذ والغلبة. وإذا كان لدينا المال والعمائم المدججة بالخطاب التحريضي التضليلي المنفصل عن الواقع، لكنه ينطلق من الروحي في كل الأحوال، و لدينا المال والرجال الجاهزون للقفز إلى ميدان القتال أو صهوة القيادة من دون أن يسرجوا يوماً، ولدينا قبل كل شئ تراثٌ يعتليه الدم وليس الغبار وحده، أو قل هو منقوعٌ في بُركٍ من الدم المَغلي الذي لا يفتر ولا ينضب، تراثٌ اختفى الرائع والجميل منه خلف مشاهد القبح المتكرر في كل حينٍ وزاوية، تراثٌ يغرف منه المعتوهون والجهلة، وينهل منه المتطرفون والقتلة، تراثٌ استولى عليه بدوٌ أفظاظ وداسه حَضَرٌ أجلاف، وبين هذا وذاك توزع المتملقون والإنتهازيون والوصوليون وأمثالهم.
إذا كان لدينا كل ذلك، فمن أين نبدأ بالتغيير؟

جَرَس
أجراس الكنائس الأرمنية تُقرع، وعلى كل ذي بصيرةٍ أن يعي بعد أن يسمع. أما الذين يدخل الصوت من إحدى أذنَيْهم ويخرج من الأخرى، فلأن رؤوسهم مثقوبة، لا يسكنها عقلٌ فيَشفَع، ولا يستجدُّ فيها وعيٌ، فيَردَع.

عنزة...
اِختلفت الرؤى فتناقضت المواقف وتحكّمت بعقولنا البدوية. المُعادون لإيران مُعادون لها والمؤيدون مؤيدون، وعنزة ولو طارت. المُعادون للسعودية معادون لها والمؤيدون مؤيدون، وعنزة ولو طارت. كذلك بالنسبة إلى تركيا. لكن الثلاثة يقولون لنا: "تريدون أرنباً، خذوا أرنباً، تريدون غزالاً، خذوا نصف أرنب" ثم يضيفون: "افهموها؛ ولو طارت"!

PDF
جريدة النهار / الملحق الثقافي/  الصفحة 19   / 01.05.2015

 

 

 

Home  
About him  
Declaration  
Translation  
Articles  
Poetry  
Drama  
contact  
   
   
   
 

 

 

 

 

 
 

Copyright©2009-2015 all rights reserved. Designed and created by Jawad El-Saidi