جريدة النهار / الملحق الثقافي/  الصفحة 22  / 11.04.2015

ماءُ تكريت
فوجئت، عندما رأيت، بعد تحرير تكريت، ماءَ دجلة وهو يجري في موضع جريمة "سبايكر". كنت أعتقد، منذ ذلك الحين، أنه توقف عن الجريان أمام جلالة الضحايا وهول الجريمة. ليقل لي أحدٌ أنه ما عاد يجري إلا بعد طرد القتلة، ليقل لي أحدٌ أنه عاد ليغسل الدماء ويعيد للشاطئ ألقه في استقبال أمهات وآباء الشهداء، ليقل لي أحدٌ أنه عاد ليوصل دماء نينوى بدماء بغداد والبصرة، ليقل لي أحدٌ أنه عاد ليُغرقَ اللصوص الرسميين وتجار الحروب، يجرف تجارتهم وكسبهم الحرام، عاد ليمزجَ الماء بالماء والطين بالطين، ليصنعَ ألواحاً بابليةً جديدة، ليطهّرَ قلوبَ المذنبين ويرممَ أرواح الخائبين، عاد ليرتقي بالفجيعة إلى الحكمة ويحوّلَ "الندمَ المؤبد" والحزنَ المؤبد، والقلقَ المؤبد، والظلامَ المؤبد، والتيهَ المؤبد، إلى وطنٍ تعدديٍّ، إلى الأبد، لا يضطر شاعره يوماً أن يقول: "سَعفُ النخيلِ يَضفرُ مَشنقة" (الشاعر الراحل كاظم السماوي) ولا: "فضيّق الحبلَ واشددْ من خناقِهم/ فربما كان في إرخائِهِ ضررُ" (الجواهري) أو: "أيها السائلُ عنّا في القصورِ الهُجّعِ/ نحنُ لا نرقدُ إلا تحت ظلِّ المدفعِ" (محمد حبيب العبيدي) ولا يهتف أبناؤهُ: "اِعدم، اِعدم، ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" أو...
أما من أحدٍ يشتهي أن يكذب؟

أيهما أخطر؟
للإيرانيين مشروعهم الاستراتيجي، وللأتراك مشروعهم الاستراتيجي، لا ريب في ذلك.
أَمعنوا النظر قليلاً، أيُّ المشروعين أخطر؟:
صديقٌ عروبي مؤيد لمحور المقاومة يقول:
الإيرانيون لا يستطيعون ابتلاع العالم العربي لأن أكثريته تختلف عنهم مذهبياً. الأتراك يسهل عليهم ذلك لأن الأكثريةَ متوافقةٌ معهم مذهبياً، ومَن يخالفهم مِن السنّة فإن فقهَهُ يرضى بشرعية "تغلّب" الحاكم المسلم. نحن ملزمون أن نختارَ صداقة من يدعم المقاومة.
صديق عروبي آخر يعلّق: غطاء المقاومة أخطر.
صديق إسلامي سني يوضح: لأنهم متوافقون معنا مذهبياً فإنهم لا يشكلون خطراً علينا كالإيرانيين.
صديق إسلامي شيعي يرد: لا، لإنهم مختلفون عنا مذهبياً، فإنهم سيسحقوننا ويغلّبون السنّة علينا.
صديق مسيحي يعلّق: في كل الأحوال يريدوننا "أهلَ ذمة"، عندما يحين الوقت لتطبيق الشريعة.
صديق فلسطيني أراد أن يختم: لا تبخلوا علينا بدعائكم.
لكن صديقاً سعودياً عاجلنا وهو يسأل معاتباً: لماذا تتجاهلون مشروعنا؟

داخل الامبراطورية
في الجزء الثاني من كتابه "تاريخ الدولة العثمانية" الصادر في إسطنبول عام 1990 عن مؤسسة فيصل للتمويل في تركيا يقول المؤلف يلماز أوزتونا في الشأن الأرمني:
"بأمرٍ من وزير الداخلية طلعت بك وتصديق الصدر الأعظم سعيد حليم باشا تم إبعاد الأرمن الموجودين في الأناضول الشرقية والوسطى (...) وسيقوا إلى الأقطار الجنوبية من الإمبراطورية (...) وهي حالياً سوريا، لبنان، الأردن، العراق (التي) كانت أكثر رفاهية من الأناضول (وذلك) تحت حماية الجيش (...) لقد تم إسكان الأرمن في (الولايات) العربية خلال عدة أشهر، ولإنهم شعبٌ مُجِدٌّ ونشط تمكنوا من المعيشة (في ظروف) أحسنَ مما كانوا يعيشونها في الأناضول الشرقية والوسطى بعد أن لقوا عوناً من الإدارة العثمانية (...) إن الأرمن الموجودين اليوم في أوروبا وأميركا هم أبناء أرمن الأناضول هؤلاء، ولو كانت حركة 1915 قتلاً جماعياً وليس تهجيراً، كما يدّعون، لما كان هناك أرمن الآن في أوروبا وأميريكا"
الحمد لله على سلامتهم، المهم داخل أقطار الأمبراطورية! مثل النواويس اللبنانية التي "لا موجب لإعادتها لأنها نقلت من ولاية عثمانية إلى العاصمة" وفقاً لرد وزارة الخارجية التركية على وزارة الخارجية اللبنانية.
ولكي نزيدكم من الشعر بيتاً كما يقولون، فقد ذكر المؤلف في سياق الآثار المنهوبة أن عمودين من الأعمدة الأربعة الضخمة لجامع السليمانية الذي شُيّد أثناء سلطنة سليمان القانوني، قد جُلبا من مصر ولبنان، الأول من معبد مصري قديم والثاني من بعلبك. داخل الامبراطورية!
على أساس هذا المبدأ سوف لن تتجرأ يوماً القاهرة أو الرياض أو بغداد، فضلاً عن "الجثة العربية"، على المطالبة بإعادة مخلفات الرسول الكريم وصحابته، حيث كان بعضٌ من هذه المخلفات في المدينة والبعض الآخر بحوزة المتوكل الثالث، الخليفة العباسي في القاهرة، حينما جرى الإستيلاء عليها بعد سيطرة العثمانيين على مصر في 1517 ونقْلها مع الخليفة و"الخلافة" إلى العاصمة؛ أي داخل الإمبراطورية!
لكن سليمان شاه قصته قصة، بسبع أرواح يرحمهُ الله، يرفض العودة إلى العاصمة ويصر على البقاء في الولايات طالما أن الأمر، داخل الأمبراطورية! فأينما نقلوه لابد أن يعود إلى الأراضي التي ترمز الى اتساعها خارج الأناضول، خصوصاً إذا كان هذا الخارج عربياً، أي "عثمانياً أبّاً عن جد" كما تراه اسطنبول.

Lepanto
في خريف العام 1571 انهزم العثمانيون أمام تحالف مسيحي أوروبي في معركةٍ بحرية جرت في ليبانتو أمام سواحل اليونان. من بين الغنائم التي غنمها التحالف الأوروبي راية قائد البحرية العثمانية مؤذن باشا زادة الحريرية المطرزة بالذهب.
في العام 1965 أعاد البابا بولس السادس هذه الراية الغنيمة إلى تركيا تعبيراً عن الصداقة "المشتهاة" وخدمة لثقافة السلام والتعايش، ثمَّ زار تركيا بنفسه بعد عامين. يا أولي الألباب!!

PDF
جريدة النهار / الملحق الثقافي/  الصفحة 22  / 11.04.2015

 

 

 

Home  
About him  
Declaration  
Translation  
Articles  
Poetry  
Drama  
contact  
   
   
   
 

 

 

 

 

 
 

Copyright©2009-2015 all rights reserved. Designed and created by Jawad El-Saidi